مع انطلاق الأعمال التحضيرية في مدارس التعليم الرسمي، وبدء الدوام الرسمي لأساتذة الملاك، يستعد الأهالي والطلاب والأساتذة لاستقبال عام دراسي جديد، حُدّد موعد انطلاقه الفعلي يوم الثلاثاء، 15 أيلول. لكن هذا المشهد السنوي المتكرر يحمل في طياته قصةً مؤلمةً لا تقلّ أهميةً عن انطلاق العام الدراسي نفسه؛ إنها قضية الأساتذة المتعاقدين التي تُرحَّل كل عام، وتبقى كالجرح النازف، من دون أي حلّ جذري يضع حدّاً لمعاناتهم. فهم يسيّرون العام الدراسي في ظلّ ظروف جائرة.
واقعٌ مرير وتهميشٌ ممنهج
منذ عام 2010، تاريخ آخر مباراة لتثبيت الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي، وعام 2016، تاريخ آخر مباراة في التعليم الثانوي، لم تتخذ وزارة التربية أي خطوة جدية نحو تثبيت هؤلاء الأساتذة. وتحوّلت عقودهم إلى مجرد أوراق هشّة لا تضمن لهم أبسط الحقوق التي تكفلها المواطنة الكريمة:
- لا تقديمات طبية ولا استشفائية.
- لا منح تعليمية لأبنائهم.
- لا راتب شهري ثابت، أسوةً بسائر الموظفين أو المتعاقدين في وزارات الدولة وإداراتها.
فما يحصلون عليه يقتصر على أجر الساعة، البالغ 8 دولارات للتعليم الأساسي و14.5 دولاراً للتعليم الثانوي، إضافةً إلى بدل نقل لا يغطي سوى ثلاثة أيام من الأسبوع الدراسي، مع أن دوامهم الفعلي يمتد إلى أكثر من ذلك، باستثناء يوم العطلة الأسبوعية. وهذا ما يضعهم في خانة «العامل اليومي»، لا «المربّي» الذي يقضي جُلَّ وقته في إعداد الأجيال وتربية الناشئة.
شيخوخة بلا تقاعد… وعيشٌ بلا كرامة
مع مرور السنوات، يقترب عدد لا بأس به من هؤلاء الأساتذة المتعاقدين من سنّ التقاعد، ليكتشفوا أنهم سيمضون بقية أعمارهم من دون معاش تقاعدي يؤمّن لهم حياةً كريمةً، ومن دون تغطية صحية تحميهم من أزمات المرض التي لا تستثني أحداً. هم يدرّسون اليوم، لكن الغد يطلّ عليهم بوجه قاسٍ لا مكان لهم فيه، وكأن عقودهم المؤقتة هي التي تحدّد قيمة وجودهم، لا عطاؤهم المستمر وتضحياتهم الجسام.
الانقسام… سلاحٌ بيد الدولة
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن الأساتذة المتعاقدين أنفسهم، بسبب تعدّد فئاتهم وكثرة ممثليهم، ظلّوا أسرى الانقسام الداخلي. فبدلاً من أن يكونوا قوةً واحدةً تدفع بقضيتهم نحو الحلّ، تحوّل تعدّد الأصوات إلى سبب رئيسي لاستبعاد معظم ممثليهم من اجتماعات الوزارة ومن متابعة مطالبهم. وقد أدركت الدولة ووزارة التربية هذا الواقع جيداً، واستغلّتاه ببراعة لتمرير سياسة «التأجيل والتهميش» على حساب قضية عادلة، وكأن الانقسام صار ذريعةً لتبرير الجور، وكأن على المظلوم أن يكون مثاليّاً في وحدته لينال حقّه!
دعوةٌ إلى الوحدة… قبل فوات الأوان
ألم يحن الوقت بعدُ ليتّحد الأساتذة المتعاقدون في كيان واحد، خلف صوت واحد، ومطلب واحد: «التثبيت العادل والمنصف للجميع»؟
ألم يدركوا أن استمرار الانقسام إنما يُضعف قضيتهم، ويؤجّج الألم، ويمنح الوزارة فرصةً ثمينةً لإطالة أمد معاناتهم؟
إن الوحدة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية لا مفرّ منها، إن كانوا يرغبون حقاً في إنصاف قضيتهم. فكيف لهم أن يطالبوا الدولة بالعدل وهم لم يتحلّوا به في ما بينهم؟ وكيف يطلبون من الوزارة أن تنظر إليهم بعين الإنصاف، وهم ينظرون بعضهم إلى بعض من زوايا متعدّدة؟
وأخيراً، إن قضية الأساتذة المتعاقدين في لبنان ليست مجرد قضية فئة من الموظفين، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بحقوق العاملين لديها، وامتحان لوعي الأساتذة أنفسهم بقيمة التضامن والوحدة. فالتثبيت ليس مِنّةً تمنحها الوزارة، بل هو حقٌّ مكتسبٌ لمن أفنوا سنوات أعمارهم في تعليم أبناء هذا الوطن. وهم يستحقّون أن يختتموا مسيرتهم المهنية بتكريم يليق بهم، لا أن يودّعوها بمرارة الحرمان وانكسار الأمل.
فلتتّحد الأصوات، ولتعلُ كلمةُ الحقّ؛ فما دامت القضية واحدة، فلن ينفع إلا صوت واحد يهزّ الضمير الرسمي، ويفتح باب العدل الذي طالما أُغلق في وجوههم.

د. حسين محمد سعد
نقابي وباحث تربوي
