مساهمة التوترات العالمية المتزامنة في تبدُّل المشهد الجيوسياسي

عن الصحافة الغربية

أعتقد أننا نمرّ بمرحلة تعصف بها التوترات، على المستويين الوطني والإقليمي، إلى حدّ يستدعي البحث عمّا إذا كان ثمة عامل مشترك يحرّكها، حتى وإن اختلفت مظاهرها اختلافًا كبيرًا.

من المؤكد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على دولة واحدة أو منطقة بعينها. فالولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، أجرت انتخابات التجديد النصفي، التي كشفت عن احتقان يفوق المعتاد بين الأحزاب، بل وداخل الأحزاب نفسها. وتشهد أوروبا احتجاجات واسعة النطاق تحوّلت، في بعض الأحيان، إلى أعمال عنف. أما الشرق الأوسط، حيث يُعدّ قدر من التوتر أمرًا مألوفًا، فيشهد التوترات المعتادة بين السنّة والشيعة، إلى جانب توترات عميقة تتجاوز المألوف، فيما ارتفع مستوى القلق والضغط لدى دول الخليج ارتفاعًا حادًا بفعل الحرب في إيران. وقد امتدّت تداعيات هذا الصراع إلى أجزاء من أفريقيا، ولا سيما منطقة القرن الأفريقي ومحيطها، وإلى سائر مناطق العالم تقريبًا، بسبب تأثيره في التجارة وأسعار الطاقة.

بدورها، تشهد الهند اضطرابات سياسية واجتماعية، خصوصًا في مناطقها الشمالية الشرقية، تتمحور حول العمليات السياسية الأساسية. وفي الصين، طُرد نحو 33 عضوًا من الحزب الشيوعي خلال جلسته العامة التي انعقدت الأسبوع الماضي، كما أُقصي خمسة من الأعضاء السبعة في اللجنة العسكرية، النظير الصيني لهيئة الأركان المشتركة. ووفقًا لتقارير منظمة «فريدم هاوس»، تتصاعد أيضًا الاضطرابات في أوساط العمال الصينيين بسبب الأوضاع الاقتصادية. وأخيرًا، وليس آخرًا، لا تزال الحرب مستمرة في أوكرانيا، وقد ألحقت دمارًا بالاقتصاد الروسي، ناهيك بالأضرار المادية التي لحقت بالطرفين.

إذا نظرنا إلى هذه الأحداث كلٍّ على حدة، فلن نجد أيًّا منها استثنائيًا إلى هذا الحد. أما عند النظر إليها مجتمعة، فإن ما يلفت الانتباه ليس وقوعها في هذه البلدان، بل أن ثمة عددًا كبيرًا من الدول والمناطق يشهدها في توقيت متقارب. وما يجعلها جديرة بالتأمل هو أنه لا يبدو أن هناك سببًا واحدًا يقف وراء هذه التوترات؛ إذ إن لكلٍّ منها جذوره ومظاهره الخاصة.

الإجابة التي أطرحها غير يقينية، لكنها الوحيدة التي تبدو متاحة لي. فالولايات المتحدة هي مركز ثقل النظام العالمي بأسره، وما يحدث فيها يؤثر في العالم برمّته. وهي تشهد تحولًا جذريًا في كيفية تعاملها مع العالم، بل وإدارته في بعض الحالات، من خلال نقل بعض المسؤوليات إلى حلفائها الإقليميين في النصف الشرقي من الكرة الأرضية، وتركيز اهتمامها على النصف الغربي. وقد كان قرار واشنطن سلوك هذا المسار حتميًا في تقديري، وإن لم أكن قادرًا على التنبؤ بالكيفية التي سيُنفَّذ بها. كما لم يَسِر هذا التحول في مسار خطّي منتظم، بل تقدّم وسط قدر كبير من عدم اليقين، وتخلّلته انعطافات حادة وتبدلات وإجراءات متناقضة.

إن تقليص الولايات المتحدة انخراطها في أوروبا، وصعوبة سدّ الدول الأوروبية الفراغ الناجم عن ذلك سياسيًا وعسكريًا ونفسيًا، أجبر أوروبا على إعادة النظر في حاضرها ومستقبلها، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى زعزعة الاستقرار. أما في الشرق الأوسط، فقد أدّى تراجع الولايات المتحدة المفاجئ عن نهج تقليص الانخراط إلى فرض اتفاق مكة بوصفه أمرًا واقعًا، وأشعل حربًا أضرّت باقتصادات جميع دول العالم تقريبًا، بما فيها الاقتصاد الإسرائيلي.

ثم أن رغبة واشنطن في التوصل إلى تفاهم مع الصين، وحاجة الصين إلى التصدير إلى عالم يتزايد فيه اختلال الاستقرار، تخلقان معضلة اقتصادية لبكين. وقد ولّدت هذه المعضلة حاجةً إلى تغيير المسار الصيني، وأفضت، تبعًا لذلك، إلى أزمة سياسية.

وفي الأثناء، أحدث التحوّل الأميركي نحو النصف الغربي من الكرة الأرضية أزمةً في كندا، بالنظر إلى الطريقة التي أُدير بها هذا التغيير. وقد دفع ذلك، إلى جانب غزو فنزويلا، دول النصف الغربي إلى إعادة تشكيل علاقاتها وترتيباتها في مسار مؤلم يكتنفه عدم اليقين.

والحال أنه لا سبيل إلى تحويل نظام سياسي ونظامه المعتاد إلى نظام آخر من دون خلق عالم غير اعتيادي، ينبثق منه في نهاية المطاف نموذج جيوسياسي جديد. غير أن التغييرات التي تُحدثها القوة المركزية في النظام الجيوسياسي تفرض على الدول والمناطق الأخرى إعادة تنظيم نفسها، بما يولّد التوتر والخوف.

أطرح هذه النظرية لا لأنني مقتنع بصحتها، بل لأنها أفضل ما استطعت التوصل إليه. بالطبع، لست متمسكًا بهذا النموذج على نحو قطعي، لكنه يمثّل محاولتي الأولى وأفضل تفسير توصّلت إليه حتى الآن.

ترجمة بتصرّف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.