طرابلس تصرخ لأن ثانوية الملعب تُقفل… والسؤال: لماذا تصل الصرخة متأخرة بعد الإقفال؟

التباكي على إقفال ثانوية الملعب لن يعيد فتح أبوابها. واستعادة أسماء أساتذتها وطلابها وزمنها الجميل، على أهميتها في ذاكرة طرابلس، لا تجيب عن السؤال الذي ينبغي أن يكون أكثر إزعاجاً من قرار الإقفال نفسه: ماذا فعلت فاعليات المدينة ونخبها ومؤسساتها وخريجو هذه الثانوية لحمايتها قبل أن تصل إلى هذه النهاية؟

فالإقفال له، كما قيل، حجته الاقتصادية والإدارية، ويمكن مناقشة هذه الحجة والاعتراض عليها ومطالبة وزارة التربية بكشف أرقامها ومعاييرها. لكن اختصار القضية بقرار وزيرة أو وزارة يريح الجميع من مواجهة المشكلة الأصلية. المدرسة لا تصبح فارغة في يوم واحد، ولا ينخفض عدد طلابها فجأة، ولا تفقد مؤسسة تعليمية عريقة موقعها في المدينة بقرار إداري يصدر في صباح ما؛ هناك مسار طويل سبق القرار، وكان يفترض أن تراه المدينة، وأن تسأل عنه، وأن تتدخل قبل الوصول إلى الإقفال، لا أن تستيقظ عند إعلان الوفاة.

وهذه ليست مشكلة ثانوية الملعب وحدها، بل تكاد تكون سيرة طرابلس خلال العقود الأخيرة.

أُقفلت المسارح ودور السينما، وتراجعت مؤسسات تعليمية وثقافية، وأصبح إعادة فتح مسرح في مدينة كانت تعرف المسارح ودور السينما حدثاً يكاد يُقدَّم بوصفه نصراً تاريخياً، فيما مرافق أخرى تتآكل أمام أعيننا من دون أن تنشأ قوة مدينية قادرة على القول إن لهذه المدينة أشياء لا يجوز التفريط بها كلما اختلت الأرقام أو تبدلت المصالح.

والأخطر أن ما جرى في ثانوية الملعب يمكن أن يتكرر غداً في مكان آخر، وبالحجج نفسها تقريباً: قلة أعداد، سوء إدارة، تراجع موارد، مبنى يحتاج إلى صيانة، مؤسسة فقدت دورها، أو مرفق لم يعد «مجدياً». اليوم مدرسة، وغداً كلية في الجامعة اللبنانية، وبعدها حديقة عامة أو سوق تاريخي أو مسرح أو مكتبة أو مبنى من ذاكرة المدينة.

وفي كل مرة سنصل متأخرين، نسأل كيف حدث ذلك، مع أن مقدماته كانت تجري أمامنا منذ سنوات.

والمفارقة أن طرابلس عاشت زمناً أشد قسوة من زمننا؛ كانت الحرب في الشوارع وعلى أبواب البيوت، وكانت الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية تتصارع، وأحياناً بالسلاح، ومع ذلك لم تتوقف المدينة تماماً عن أداء وظائفها. بقيت مدارس تعمل، وسينما تعرض أفلامها، ومقاهٍ عامرة، ومكتبات وصحف ونقابات وروابط طلابية ومؤسسات ثقافية تحاول الاستمرار وسط الخراب.

لا يعني ذلك تجميل زمن الحرب أو الحنين إليه، فقد دفع اللبنانيون والطرابلسيون أثماناً فادحة، لكن المفارقة تستحق السؤال: كيف استطاعت مدينة تحت الحرب أن تحافظ على شيء من حياتها، فيما تخسر في زمن السلم مؤسساتها الواحدة تلو الأخرى؟

كان للأحزاب يومها، على اختلافها وتناقضاتها وأخطائها، امتداد اجتماعي حقيقي. كانت موجودة في المدرسة والجامعة والنقابة والحي والمقهى والشارع، وكان لديها طلاب وأساتذة ومثقفون ونقابيون، وكانت السياسة جزءاً من النقاش حول المجتمع والتعليم والثقافة والجامعة.

أما اليوم، فقد تحولت أجزاء واسعة من العمل الحزبي إلى إدارة للزعامة والانتخابات والخدمات والمواقع، وصار حضور الحزب يُقاس بما يملك من أصوات وما يستطيع تحريكه في صندوق الاقتراع، وبما يستطيع الحصول عليه من حصة في إدارة أو مؤسسة، أكثر مما يُقاس بما يستطيع حمايته من مؤسسات المجتمع.

وهنا ينبغي مساءلة الأحزاب والتيارات والنواب والفاعليات، لا عن بياناتهم بعد إقفال المدرسة، بل عن وجودهم قبل الإقفال. أين كانوا عندما بدأ عدد الطلاب بالتراجع؟ هل امتلك أحد منهم الأرقام؟ هل طُرحت المشكلة قبل سنوات؟ هل جرت محاولة لجمع خريجي الثانوية وأساتذتها وأهالي المنطقة؟ هل وُضعت خطة لاستعادة الطلاب أو تطوير المدرسة؟ هل جرى الضغط على الوزارة قبل أن يصبح القرار واقعاً؟ أم أن المدرسة لم تدخل مجال السياسة إلا عندما أصبح إقفالها مادة صالحة للمواجهة السياسية؟

إذا كان الحزب لا يستطيع جمع الناس للدفاع عن مدرسة، وإذا كان النائب لا يعرف أن مؤسسة عامة في مدينته تموت إلا عندما يصل قرار إقفالها، وإذا كانت النخبة لا تتحرك إلا بعد وقوع الخسارة، فما الذي بقي من مفهوم العمل العام؟

المشكلة أعمق من ثانوية واحدة. ففي العقود الماضية وجدت طرابلس نفسها، شيئاً فشيئاً، بين مشروعين كبيرين يتحركان داخلها. من جهة، تمددت المؤسسات التعليمية والاجتماعية ذات المرجعيات الدينية، وتحصنت عبر المدارس والجمعيات وشبكاتها الاجتماعية لحماية نفسها ومجتمعها، ولا سيما في زمن الهيمنة الفلسطينية ثم السورية وما رافقها من اختلال سياسي وأمني. ومن جهة أخرى، حاولت المدارس والمؤسسات الثقافية والمدنية حماية مساحتها والمحافظة على نمط مختلف من التعليم والثقافة والحياة العامة في مواجهة التمدد الديني.

ليس العيب في وجود هذا أو ذاك، فالتعدد كان دائماً جزءاً من تكوين طرابلس، وإنما المشكلة أن المدينة تاهت بين المشروعين ولم تنتج مشروعها هي؛ مشروعاً مدينياً جامعاً يجعل طرابلس نفسها المرجعية، لا الطائفة ولا الجماعة ولا الزعيم ولا المؤسسة، ويعتبر المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية والمسرح والسوق القديم والحديقة العامة والمكتبة أجزاء من مصالح المدينة التي ينبغي أن يدافع عنها الجميع مهما كانت انتماءاتهم.

لكل جماعة مؤسساتها، ولكل مرجعية جمهورها، ولكل زعيم دائرته، ولكل جمعية نشاطها، لكن من يدافع عن الشيء الذي لا يخص جماعة بعينها لأنه يخص طرابلس كلها؟

هنا وقع الفراغ، وهنا استطاع المشروع السلطوي أن يستفيد من انقسام المدينة أكثر مما عمل على تجاوزه. فطرابلس، بالنسبة إلى كثير من القوى التي تعاقبت على تمثيلها وإدارة شؤونها، كانت كتلة من الأصوات الانتخابية أكثر مما كانت مشروع مدينة؛ المطلوب منها أن تأتي بهذه اللائحة أو تلك، بهذا الزعيم أو ذاك، ثم تعود بعد الانتخابات إلى فقرها وبطالتها ومؤسساتها المتراجعة، في انتظار موسم انتخابي جديد يعاد فيه اكتشاف «عاصمة الشمال» و«مدينة العلم والعلماء» و«الحرمان المزمن»، ثم تُطوى العبارات مع آخر صندوق اقتراع.

ولاحظوا مقدار الصمت الذي يلف إقفال أي شيء في المدينة. يغلق مكان، يتراجع آخر، يتداعى مبنى، تفقد مؤسسة وظيفتها، فتعلو أصوات أياماً ثم تنخفض، وكأن طرابلس اعتادت خسائرها بالتقسيط.

ثمة صروح أكاديمية تتراجع، ومرافق عامة تُترك لمصيرها، وأسواق ومبانٍ تاريخية تواجه مشكلاتها كل على حدة، فيما لم تستطع المدينة أن تخلق مرجعية مدنية تقول إن هذه الملفات، على اختلافها، قضية واحدة: قضية حق طرابلس في مؤسساتها وفي ذاكرتها وفي فضائها العام.

ومن هنا تأتي الجامعة اللبنانية، لا باعتبارها موضوع المقالة ولا القضية الوحيدة، وإنما باعتبارها المثال الأقرب لما يمكن أن يحدث عندما تترك المؤسسة وحدها لمشكلاتها الداخلية حتى تتراكم. فالكليات الموجودة في طرابلس والشمال تعيش أحياناً نزاعات إدارية وأكاديمية يتعامل معها المجتمع الطرابلسي كأنها شأن داخلي لا يعنيه، مع أن أي خلل مستدام في هذه الكليات سينعكس على المدينة وعلى حق أبنائها في التعليم العالي العام.

والمشكلة لا تقف عند حدود نقص الإمكانات. ثمة سؤال يجب ألا نخشى طرحه عن الطريقة التي تعاملت بها الأحزاب والقوى السياسية مع المواقع الإدارية والأكاديمية في مؤسسات الدولة والجامعة: هل كان معيار الكفاءة دائماً هو الذي يحكم الاختيار، أم أن المحاصصة والولاء والقدرة على تمثيل هذه الجهة أو تلك داخل المؤسسة تقدمت أحياناً على القدرة على إدارتها؟

حين تصبح المواقع الأكاديمية والإدارية حصصاً، تبدأ المؤسسة بدفع الثمن من داخلها. تنتقل الخصومات السياسية إليها، وتتراجع الحدود بين الاختلاف الأكاديمي والصراع على النفوذ، وتُستهلك الطاقات في نزاعات كان يفترض ألا تكون لها الأولوية في مؤسسة وظيفتها التعليم والبحث وإدارة شؤون الطلاب. ويصل الأمر أحياناً إلى ممارسات ونزاعات صغيرة في أسلوبها وحجمها، حتى يبدو المشهد بعيداً عن مستوى مؤسسة جامعية يفترض أن يديرها أكاديميون راشدون، وأقرب إلى خلافات كان ينبغي حسمها قبل أن تصل إلى أبواب الجامعة.

وليس المقصود التعميم على الجامعة أو أساتذتها وإداراتها، ففيها كفاءات دفعت من أعصابها ووقتها ومواردها للحفاظ على مؤسساتها، وإنما التحذير من ترك الصراع على المواقع يلتهم المؤسسة نفسها، ثم انتظار انهيارها كي نكتشف أن الجميع كانوا يتصارعون على إدارة شيء كانوا يسمحون له، في الوقت نفسه، بأن يضعف.

وهذا بالضبط ما يجعل ثانوية الملعب إنذاراً لا حادثة منفردة.

ما جرى هناك يمكن أن يجري هناك: مؤسسة تتراجع، أهلها ينشغلون بخلافاتهم، المدينة تعتبرها مشكلة تخص إدارتها، القوى السياسية تتدخل في التعيينات والمواقع أكثر مما تتدخل في إنقاذ المؤسسة، ثم يأتي يوم تصبح فيه الأرقام ذريعة جاهزة لاتخاذ القرار النهائي. وما يقال عن الجامعة يمكن أن يقال، مع اختلاف الظروف، عن الحديقة العامة والسوق التراثي والمسرح والمكتبة والمدرسة الرسمية.

لا أحد منها يسقط فجأة؛ كلها تبدأ بإهمال صغير يصبح اعتيادياً، ثم تراجع في الوظيفة، ثم غياب في التمويل أو الإدارة، ثم قبول اجتماعي بالأمر الواقع، وفي النهاية يأتي القرار الرسمي ليعلن شيئاً حدث فعلياً قبل سنوات. وهنا تقع المسؤولية أيضاً على النخبة الطرابلسية نفسها: الأكاديميين والمثقفين وأساتذة الجامعات وأصحاب المهن والجمعيات والهيئات الاقتصادية والمدنية.

لقد اعتدنا أن نجتمع عند وقوع المصيبة، وأن نخوض نقاشاً حاداً في مقهى على قارعة رصيف في منطقة التل، نتحدث عن تاريخ المدينة وتهميشها وأسباب انهيارها، ثم نصرف الحساب ونستكين ونعود إلى منازلنا، فيما يبقى الشيء الذي كنا نتناقش في كيفية إنقاذه وحيداً في مواجهة مصيره.

المشكلة ليست في المقهى، ولا في الكتاب، ولا في الندوة، ولا في حفل التوقيع؛ فهذه من المساحات القليلة التي ما زالت تجمع الناس حول الثقافة في المدينة. لكن المطلوب أن تتجاوز وظيفتها الاحتفاء وحده. لماذا لا يتحول كل حفل توقيع كتاب في طرابلس إلى مناسبة تخرج منها قضية طرابلسية إلى الضوء؟ ليس لإفساد فرحة الكاتب أو تحويل المناسبة إلى مهرجان سياسي، بل لأن اجتماع عشرات أو مئات الأكاديميين والمثقفين وأصحاب الرأي في مكان واحد فرصة نادرة في مدينة تفتقد أصلاً أدوات العمل الجماعي.

ليكن الكتاب كتاباً، والاحتفاء احتفاءً، ولكن ليكن هناك أيضاً ملف مدرسة يحتاج إلى متابعة، أو كلية تحتاج إلى تضامن، أو مبنى تراثي يواجه خطراً، أو حديقة تتراجع، أو سوق يحتاج إلى حماية. أن يخرج المجتمعون، إلى جانب الكتاب الذي يحملونه، بمعرفة أن ثمة قضية محددة تستحق أن يضعوا أسماءهم وخبراتهم وعلاقاتهم في خدمتها.

فالكتاب عن المدينة لا ينبغي أن يكون بديلاً من المدينة، بل طريقاً إليها؛ والندوة التي تستعيد تاريخ طرابلس ينبغي أن تسأل ماذا بقي من هذا التاريخ حياً، والمثقف الذي يعرف كيف كانت المدينة قبل خمسين عاماً ينبغي أن يكون من أوائل الذين يسألون كيف ستكون بعد عشر سنوات.

وهنا تحديداً تكمن أزمة جزء من الأنتلجنسيا الطرابلسية: تعرف المدينة جيداً، وتقرأ تاريخها، وتستعيد أسماء رجالها، وتناقش أسباب أزماتها، لكنها لم تنجح في تحويل هذه المعرفة إلى قوة اجتماعية منظمة تحمي ما تؤمن به. فبعض القوى المدنية والديمقراطية أُبعد وهُمّش، وبعضها أُريد له أن يبدو غريباً عن النسيج الطرابلسي، لكنها هي الأخرى ساهمت في إبعاد نفسها حين قبلت بدور المراقب والمعلّق، مع أن أبناءها هم أبناء هذه المدينة، خرجوا من مدارسها وجامعتها وأحيائها وشوارعها.

هناك فارق بين أن نعرف لماذا تنهار المدينة وأن نمنع انهيارها؛ بين أن نكتب عن مدرسة وأن نحمي المدرسة؛ بين أن نعقد ندوة عن الجامعة اللبنانية وأن نبني قوة اجتماعية تدافع عنها؛ بين أن نعرض صورة قديمة لسينما أو مسرح وبين أن نمنع ما بقي من المسارح من الإقفال؛ وبين أن نحتفي بسوق طرابلس التاريخي وبين أن نتحرك عندما يتعرض مبنى فيه للهدم أو التشويه.

ولهذا كان حرياً أن ينعقد منذ سنوات مؤتمر طرابلس الحقيقي، لا مؤتمر شكوى ولا مهرجان خطابات ولا مناسبة جديدة لتكرار الحديث عن التهميش والحرمان، وإنما إطار دائم يجمع المؤسسات التي أثبتت حضورها في المدينة: لقاء الأحد الثقافي، مؤسسة سابا زريق الثقافية، مؤسسات الصفدي، المجلس الثقافي، الهيئات المعنية بالمدينة التاريخية، العزم ، الجامعات، والنقابات، والجمعيات، والروابط التربوية والثقافية، والهيئات الاقتصادية، وخريجي المدارس والكليات، ومن بقي من قوى سياسية ومدنية مستعدة لأن تضع المدينة قبل حساباتها.

مؤتمر يبدأ لا بالكلمات بل بالأرقام والملفات: من هي المدارس الرسمية المهددة؟ ماذا يجري في كليات الجامعة اللبنانية؟ ما وضع الحديقة العامة؟ ماذا بقي من المسارح ودور السينما؟ ما الأبنية والأسواق التراثية المعرضة للخطر؟ ما المؤسسات الثقافية التي تقاوم للبقاء؟ ماذا خسرنا خلال العقود الماضية، وما الذي يمكن أن نخسره خلال السنوات المقبلة إذا استمررنا بالطريقة نفسها؟

ولا ينتهي المؤتمر بصورة جماعية وبيان ختامي، وإنما تبدأ مهمته بعد انتهاء المؤتمر، بحيث يكون لكل قضية فريق يتابعها، ولكل ملف معلوماته، ولكل مؤسسة مهددة من يطرق باب الوزارة والبلدية والجامعة والنائب والجهة المانحة والإعلام، ثم يعود إلى الناس بالنتيجة.

هذه هي المسافة بين النخبة التي تتحدث باسم المدينة والنخبة التي تعمل من أجلها.

وثانوية الملعب ليست القضية إلا بقدر ما كشفت القضية الأكبر. ليست المشكلة أن باباً أُقفل، بل أن المدينة لم تعد تمتلك القوة المنظمة التي تقف أمام الباب قبل إقفاله. وليست المسألة أن وزيرة اتخذت قراراً أو نائباً اعترض عليه؛ فالوزراء يتغيرون والنواب يتغيرون، أما طرابلس فتبقى، أو هكذا يفترض.

لقد استطاعت المدينة في زمن الحرب، على قسوته وعبثيته، أن تُبقي مدرسة مفتوحة وسينما تعمل ومقهى عامراً وطلاباً يتجادلون وأحزاباً تتصارع على الأفكار والمجتمع والجامعة والنقابة، فكيف نقبل، بعد كل هذه السنوات، أن يصبح زمن السلم زمناً لإقفال ما بقي، وأن تتحول السياسة من صراع على شكل المجتمع إلى صراع على المواقع الإدارية والحصص وعدد الأصوات التي يحملها هذا الزعيم أو ذاك إلى الصندوق؟

لا نحتاج إلى رثاء جديد، ولا إلى تعداد جديد لما فقدناه. نحتاج إلى أحزاب تتذكر أن السياسة ليست صندوق اقتراع ولا حصة في إدارة، وإلى نواب يعرفون أن تمثيل المدينة يبدأ في اليوم التالي للانتخابات لا في الأشهر السابقة لها، وإلى نقابات تستعيد وظيفتها، وإلى جامعيين يخرجون بقضايا جامعتهم من نزاعات الغرف والمكاتب إلى المجتمع، وإلى رجال أعمال يفهمون أن الاستثمار في المدينة ليس عقاراً جديداً فقط، وإلى مثقفين يجعلون من الكتاب والندوة وحفل التوقيع مساحة لاستعادة وظيفة الثقافة في الشأن العام.

وفي المرة المقبلة التي نجتمع فيها لتوقيع كتاب عن طرابلس، فلنخرج، إلى جانب الكتاب، بقضية واحدة على الأقل قررنا ألا نتركها وحدها: مدرسة تتراجع، كلية تتخبط، حديقة تُهمَل، سوق تاريخي يُشوَّه، مسرح يكافح للبقاء. لا لكي يتحول كل نشاط ثقافي إلى تظاهرة، بل لكي تتوقف الثقافة عن العيش في مدينة متخيلة فيما المدينة الحقيقية تتراجع خارج باب القاعة.

فالخطر ليس أن تُقفل ثانوية الملعب وحدها. الخطر أن تكون ثانوية الملعب بروفة لما سيأتي، وأن نكتشف بعد سنوات أن الآلية نفسها تكررت في الجامعة والحديقة والسوق والمسرح: إهمال طويل، صراعات داخلية، محاصصة، صمت اجتماعي، اعتراض متأخر، ثم أمر واقع.

وعندها لن يكون مهماً كثيراً من أصدر قرار الإقفال الأخير، لأن القرار الحقيقي يكون قد اتُّخذ قبل ذلك بسنوات، يوم تركنا المؤسسة تتآكل ولم نفعل شيئاً.

طرابلس لا ينقصها من يحبها، ولا من يكتب عنها، ولا من يعرف تاريخها، ولا من يستعيد أسماء كبارها. ما ينقصها هو أن تتحول هذه المحبة والمعرفة والذاكرة إلى قوة دفاع مدنية تعرف ما تريد حمايته، وتراقبه قبل سقوطه، وتحاسب من يديره، وترفض أن يكون الموقع الإداري مكافأة حزبية، أو المؤسسة العامة حصة، أو المدرسة رقماً، أو الجامعة ساحة نفوذ، أو الحديقة أرضاً سائبة، أو السوق التاريخي عقاراً ينتظر المستثمر.

ولهذا فإن السؤال بعد ثانوية الملعب لا ينبغي أن يكون: من التالي؟ السؤال هو: هل سنترك هناك تالياً سيقفل أصلاً؟ لأن المدينة لا تُقفل بقرار واحد، ولا تسقط بضربة واحدة؛ إنها تُفرَّغ مؤسسة بعد مؤسسة، ووظيفة بعد وظيفة، فيما أهلها يتجادلون في المسؤولية ويتقاسم السياسيون مواقعها ويتذكر المثقفون تاريخها.

ثم يأتي يوم لا يبقى فيه ما يستحق النزاع عليه. وعندها لن يسألنا أحد كم أحببنا طرابلس، ولا كم كتاباً كتبنا عنها، ولا كم بياناً أصدرنا دفاعاً عنها. سيسأل جيلنا سؤالاً واحداً: كانت المدرسة أمامكم، والجامعة أمامكم، والحديقة أمامكم، والسوق أمامكم، والمسرح أمامكم… فماذا أبقيتم منها؟

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.