العلاقات اللبنانية-الإماراتية في سياق التطبيع الإقليمي

تحليل – خاص «بيروت 2030»

التحول في الموقف الإماراتي تجاه لبنان ليس حدثًا معزولًا، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل كبرى تشهدها المنطقة. وهناك عاملان رئيسيان يفسران هذا التوقيت: الفراغ السعودي، والتطبيع بوصفه أداةً للنفوذ.

الإطار الزمني والتسلسل التاريخي

يمكن تقسيم تطور العلاقات إلى خمس مراحل رئيسية:

  • المرحلة الأولى: التأسيس القانوني (1999): دخلت اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات الثنائية بين لبنان والإمارات حيّز التنفيذ عام 1999، وتُعدّ حتى اليوم الأساس القانوني الملزم الوحيد لحماية الاستثمارات الإماراتية في لبنان.
  • المرحلة الثانية: التطبيع الإقليمي (2020): وقّعت الإمارات وإسرائيل اتفاقيات أبراهام في 15 أيلول 2020، ما غيّر المعادلة الإقليمية بصورة جذرية، وفتح الباب أمام تعاون أمني وسيبراني وتكنولوجي لم يكن معلنًا من قبل.
  • المرحلة الثالثة: إعادة بناء الثقة (2025): بدأت هذه المرحلة مع زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى الإمارات في نيسان 2025، وأثمرت عن رفع حظر سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان، ثم استئناف رحلات الطيران الإماراتية إلى مطار بيروت.
  • المرحلة الرابعة: الزخم الاقتصادي (2026): أعلنت الإمارات، في 3 شباط 2026، اعتزامها افتتاح مركز للتأشيرات الإلكترونية في بيروت. ثم زار وفد اقتصادي إماراتي ضخم لبنان في 26 و27 آب 2026، ووقّع خمس مذكرات تفاهم.
  • المرحلة الخامسة: التوطين الرقمي (أيلول – تشرين الأول 2026): أُعلنت مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي» على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، تحت مظلة برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي «جييب». كما حُدّد موعد افتتاح مركز التأشيرات الإلكترونية في بيروت في تشرين الأول 2026. وتنقل هذه المرحلة العلاقة من البنية التحتية المادية إلى رأس المال البشري والسيادة الرقمية.

زيارة الوفد الإماراتي — التفاصيل والنتائج

  • حجم الوفد وتركيبته: ضمّ الوفد ما يناهز 90 شخصية، برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، وشمل ممثلين عن قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والزراعة والصحة والسياحة والنفط والغاز.
  • المخرجات العملية: جرى توقيع خمس مذكرات تفاهم، أبرزها: مذكرة حكومية لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وقّعها وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط ونظيره الإماراتي؛ تأسيس مجلس الأعمال الإماراتي – اللبناني المشترك؛ أربع مذكرات تفاهم قطاعية بين غرف التجارة والشركات الخاصة.
  • القطاعات المستهدفة: تمحورت المباحثات حول المرافق السيادية بالدرجة الأولى، وتحديدًا مطار بيروت الدولي ومرفأ بيروت ومرفأ طرابلس، إضافة إلى أنظمة إدارة الجمارك والمعابر الحدودية والمنشآت النفطية.
  • التقييم: شكّلت الزيارة «اختراقًا إيجابيًا» وأسهمت في إعادة بناء الثقة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ من التنفيذ، إذ لم تتحول التفاهمات بعد إلى تدفقات استثمارية فعلية. ومع ذلك، فإن مبادرتَي الذكاء الاصطناعي ومركز التأشيرات تمنحان هذا الزخم بُعدًا جديدًا يتجاوز الجانب التجاري التقليدي.

تحليل المخاوف السيادية — بين الحقيقة والتوظيف

  • التركيز على «الدرجة الأولى من الحساسية»: كشفت تحليلات أن الطموح الإماراتي لا يقتصر على صفقات تحقق أرباحًا سريعة، بل يتجه مباشرة نحو «شرايين الدولة»، في قطاعات تشمل المطار والمرفأ والتنقيب عن النفط والكهرباء وشبكات النقل. ويرى محللون أن الإمارات تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركه تراجع الحضور الاقتصادي السعودي في لبنان.

الروابط التكنولوجية الإسرائيلية

  • عقد «تاليس»: وقّعت الحكومة اللبنانية عقدًا مع شركة «تاليس» الفرنسية لتحديث أنظمة أمن الحدود والمراقبة في مطار رفيق الحريري الدولي. ويشمل المشروع أنظمة للفحص وإدارة المعلومات ومراقبة الدخول والخروج. وتكمن المشكلة في أن «تاليس» تمتلك ثلاثة مواقع في إسرائيل تعمل في مجالات النقل والأمن الرقمي، ما يطرح تساؤلات سيادية حول مسار بيانات المسافرين وأنظمة المطار.
  • محاولات اختراق مباشرة: كشفت تحقيقات أمنية لبنانية عن محاولات تجسس إسرائيلية لاختراق مرافق حساسة، مثل مطار رفيق الحريري الدولي، بمستوى وُصف بأنه «غير مسبوق من الجرأة». وأشارت تقارير إلى أن أحد العملاء تلقى تعليمات من مشغّل إسرائيلي لإيقاف سيارة في مرآب صالة كبار الزوار في المطار، ما يرجّح إما وجود «نفوذ إسرائيلي مباشر»، أو اعتمادًا على تسهيلات غير مباشرة من جهات غربية.

التطبيع الأمني والسيبراني بين الإمارات وإسرائيل

لم يقتصر التطبيع على الجانب السياسي، بل امتد إلى الأمن السيبراني والتكنولوجيا الدفاعية.

  • منصة «كريستال بول»: طوّرت الإمارات وإسرائيل منصة لتبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات السيبرانية، تحت مظلة مبادرة مكافحة برامج الفدية.
  • استحواذات استراتيجية: استحوذت مجموعة «إيدج» الإماراتية، المملوكة لحكومة أبوظبي، على حصة تبلغ 30 في المئة في شركة «ثيرد آي سيستمز» الإسرائيلية المتخصصة في أنظمة الرؤية والذكاء الاصطناعي العسكري.
  • أكثر من 12 شركة إسرائيلية في معرض دبي للأمن السيبراني عام 2026: وهو مشهد يعكس انتقال التطبيع من العلاقات السياسية إلى قطاعات أكثر حساسية.
  • شراكات دفاعية: برز تعاون بين شركات إماراتية وإسرائيلية، مثل شركة «رفائيل»، في منصات تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات السيبرانية.

السيادة الرقمية والمعرفية — البعد الجديد

  • مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي»: تنقل هذه المبادرة النفوذ من «شرايين الدولة» المادية إلى عقول أبنائها. فتدريب مليون لبناني على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر، من خلال برنامج إماراتي هو «جييب»، من شأنه أن يخلق جيلًا من المهنيين اللبنانيين الذين يعتمدون في مهاراتهم على منظومة تكنولوجية محددة. وقد يشكّل ذلك تبعيةً رقمية طويلة الأمد، ولا سيما في غياب شريك تدريب محلي معلن، أو منهج سيادي، أو آلية واضحة للتسجيل والتنفيذ. كما أن تمرير المبادرة عبر مكتب إماراتي للتبادل الحكومي، وليس عبر وزارة التربية والتعليم العالي أو هيئة لبنانية متخصصة، يشير إلى أن الإمارات تتعامل معها بوصفها أداة دبلوماسية أولًا، وبرنامجًا تدريبيًا ثانيًا.
  • مركز التأشيرات الإلكترونية في بيروت (تشرين الأول 2026): سيمكّن المركز المقيمين في لبنان من استكمال إجراءات الحصول على التأشيرة محليًا، بما في ذلك أخذ البصمات والصور الحيوية. لكن النقطة الجوهرية تتمثل في أن جميع البيانات التي ستُجمع في بيروت ستتدفق مباشرة إلى منصة الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ الإماراتية «ICP»، بهدف ضمان «التحقق الأمني في الوقت الفعلي». وهذا يعني أن المركز ليس مجرد مكتب لتقديم الخدمات، بل هو نقطة وصول إلى منظومة أمنية إماراتية على الأراضي اللبنانية. وفي ضوء المخاوف السيادية السابقة بشأن تدفق البيانات الحساسة، تستحق هذه النقطة تدقيقًا سياديًا صارمًا.
  • نزيف الكفاءات: يعمل أكثر من 80 ألف مهني لبناني في الإمارات، فيما ارتفعت أعداد الزوار بنسبة 47 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026. ومن شأن مركز التأشيرات أن يسرّع عمليات التوظيف، وأن يتيح منح تأشيرات متعددة الدخول خلال أيام بدلًا من أسابيع. ويعزز ذلك الروابط الاقتصادية بين البلدين، لكنه يرسّخ أيضًا نموذج «تصدير الكفاءات» اللبنانية إلى الإمارات، وهو ما قد يتعارض مع هدف مبادرة الذكاء الاصطناعي المتمثل في تدريب مليون لبناني داخل لبنان.

هل هناك «طلب إسرائيلي» مباشر؟

لا تتوافر وثائق رسمية تثبت وجود طلب إسرائيلي مباشر أو إشراف إسرائيلي على الاستثمارات في مطار بيروت ومرفأ بيروت. لكن المتاح هو منظومة من الأدلة الظرفية القوية، وفقًا للمؤشرات ودلالاتها:

  • تركيبة الوفد: 90 شخصًا غالبيتهم من المستشارين الأمنيين، وليسوا رجال أعمال، ما يشير إلى اهتمام يتجاوز البعد التجاري.
  • استهداف قطاعات «الدرجة الأولى»: المطار والمرفأ والنفط والكهرباء والنقل، أي شرايين الدولة السيادية.
  • عقود مع شركات لها مراكز أبحاث في إسرائيل، مثل «تاليس» و«إمبيرفا»: ما يثير مخاطر تسرب بيانات حساسة.
  • محاولات اختراق إسرائيلية مباشرة للمطار: ما يؤكد أن المطار يمثل هدفًا استخباريًا.
  • التطبيع الأمني والسيبراني الإماراتي – الإسرائيلي: وهو ما يخلق بيئة تعاون أمني قابلة للتسرب التكنولوجي.
  • مبادرة الذكاء الاصطناعي ومركز التأشيرات: بما يؤدي إليه ذلك من تعميق للتبعية الرقمية وربط البيانات بمنظومة إقليمية.

لا يوجد «دليل قاطع» على وجود «طلب إسرائيلي» حرفي، لكن المخاوف السيادية تبدو مشروعة تمامًا في ضوء هذه المعطيات، ويجب على لبنان أن يتعامل معها بمنتهى الجدية.

مذكرات التفاهم — ما نُفّذ وما لم يُنفّذ

ما نُفّذ:

  • إطلاق مجلس الأعمال المشترك، وعقد اجتماعه الأول، واعتماد خطة عمله.
  • رفع حظر السفر واستئناف رحلات الطيران الإماراتية إلى بيروت.
  • نمو التجارة غير النفطية إلى 4.2 مليارات دولار في عام 2025، بنسبة نمو بلغت 35.6 في المئة.
  • توقيع خمس مذكرات تفاهم في آب 2026.
  • إطلاق مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي» في أيلول 2026، بوصفها إطارًا مؤسسيًا.
  • تحديد موعد افتتاح مركز التأشيرات الإلكترونية في بيروت في تشرين الأول 2026.

ما لم يُنفّذ بعد:

  • اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة «سيبا»: لا تزال قيد المباحثات.
  • مشاريع البنية التحتية الكبرى: لا يزال تطوير المطار والموانئ في طور الدراسة.
  • الاستثمارات المالية الفعلية: لا يزال معظم ما تحقق محصورًا في الأطر المؤسسية، ولم تتحول التفاهمات بعد إلى تدفقات استثمارية كبيرة.
  • مركز التأشيرات الإلكترونية: لم يُفتتح بعد، والموعد المعلن لافتتاحه هو تشرين الأول 2026.
  • منهجية تنفيذ مبادرة الذكاء الاصطناعي: لا تزال المعلومات المتعلقة بشريك التدريب والمنهج وآلية التسجيل وتاريخ الإنجاز غائبة حتى الآن.

الخطوات اللازمة لتفعيل الاتفاقيات

المسار المؤسسي: تفعيل مجلس الأعمال المشترك، وإنشاء منصة استثمارية مشتركة، وتشكيل لجنة وزارية للإشراف على التنفيذ.

المسار التشريعي: تحديث الإطار القانوني لتفعيل صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص «PPP»، واستكمال الإصلاحات المالية والمصرفية.

المسار التمويلي: إطلاق مشاريع البنية التحتية، وتفعيل دور صندوق أبوظبي للتنمية.

المسار الرقابي: فرض رقابة صارمة وشفافية كاملة على أي استثمار يمس البنية التحتية السيادية، ولا سيما في مجالات البيانات والأمن السيبراني.

المسار الرقمي والمعرفي:

  • وضع شروط سيادية على أي برنامج تدريبي أو منصة للذكاء الاصطناعي، تشمل استضافة البيانات محليًا، وإخضاع المنصات للتدقيق الأمني، ومنع احتكار المنهج.
  • ربط مبادرة الذكاء الاصطناعي بالجامعات اللبنانية والهيئات المهنية المحلية، بما يضمن الملكية الوطنية للمعرفة.
  • وضع ضمانات تحول دون تحوّل مركز التأشيرات إلى قناة منهجية لنزيف الكفاءات، من خلال ربط التدريب بفرص عمل داخل لبنان.
  • إخضاع تدفق البيانات الأمنية إلى منصة الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ الإماراتية لاتفاقية ثنائية واضحة لحماية البيانات، تكون قابلة للمساءلة.

التقييم النهائي — الفرص في مقابل المخاطر

  • الفرص الاقتصادية: حقيقية وواعدة، ولا سيما في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعانيها لبنان.
  • المخاطر السيادية المادية: مرتفعة جدًا في ضوء الروابط التكنولوجية الإسرائيلية ومحاولات الاختراق.
  • المخاطر السيادية الرقمية: مرتفعة، في ظل غياب تفاصيل مبادرة الذكاء الاصطناعي وتدفق بيانات مركز التأشيرات.
  • الشفافية: منخفضة، إذ لم تُنشر تفاصيل كاملة عن مذكرات التفاهم، أو تركيبة الوفد، أو منهج الذكاء الاصطناعي.
  • التنفيذ: محدود، ولا يزال في مرحلة بناء الأطر المؤسسية.
  • السياق الإقليمي: يضيف التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي طبقةً خطرة من التعقيد.

الخلاصة النهائية

تمثل الزيارة الإماراتية إلى لبنان، إلى جانب مبادرتَي الذكاء الاصطناعي ومركز التأشيرات، فرصة اقتصادية ومعرفية حقيقية، لكنها تبقى محفوفة بمخاطر سيادية جسيمة، مادية ورقمية.

ويتطلب النجاح في تفعيل الاتفاقيات إرادة سياسية لبنانية قادرة على فرض شروطها، وضمان عدم تسرب أي بيانات حساسة، وتأمين شفافية كاملة في كل ما يتعلق بالمطار والمرفأ والبنية التحتية الرقمية وبرامج التدريب.

وكما أشار وزير التجارة الخارجية الإماراتي، فإن «نجاح العلاقات لا يُقاس باللقاءات والبيانات، بل بالاستثمارات والشراكات التي تتحول إلى واقع».

لكن المقياس الأهم بالنسبة إلى لبنان يبقى السؤال الآتي: هل ستتحول هذه الاتفاقات إلى تنمية حقيقية وبناء للقدرات الوطنية، أم ستصبح بوابةً لنفوذ جديد وتبعية رقمية ومعرفية؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.