هل تستطيع الصين إزاحة روسيا من موقع الدولة العظمى؟ (1/2)

من ستالين وماو إلى الصواريخ والمحركات: التاريخ المنسي وراء صعود القوة الصينية

أصبح الحديث عن انتقال مركز الثقل من روسيا إلى الصين واحدًا من أكثر الأحكام تداولًا عند مناقشة العلاقة بين موسكو وبكين. وتبدو الحجة للوهلة الأولى مقنعة: الاقتصاد الصيني أكبر بكثير، والصناعة الصينية أوسع، والصادرات الصينية تملأ الأسواق العالمية، والبحرية الصينية تتوسع بسرعة، بينما تخوض روسيا حربًا طويلة وتواجه عقوبات واسعة وتحتاج بصورة متزايدة إلى السوق والمنتجات الصينية. ومن هذه الوقائع يجري الانتقال بسهولة إلى نتيجة أكبر منها بكثير: الصين أصبحت قوة عظمى صاعدة، بينما روسيا تتراجع إلى موقع «الشريك الأصغر».

لكن المشكلة في هذا الاستنتاج أنه يبدأ من تعريف اقتصادي ضيق للقوة العظمى. فالدولة العظمى ليست الناتج المحلي الإجمالي وحده، وإلا لكان التاريخ الدولي مجرد ترتيب سنوي للاقتصادات. القوة العظمى نتاج مركب من الجغرافيا والموارد والسكان والصناعة والتكنولوجيا والاستقلال في القرار والقدرة العسكرية والردع النووي والانتشار الاستراتيجي والقدرة على تحمل الحرب والحصار والعقوبات، يضاف إلى ذلك عنصر كثيرًا ما يهمله الاقتصاديون: الخبرة التاريخية في ممارسة القوة. فهناك فرق بين دولة أصبحت غنية ودولة بنت خلال قرون مؤسسات عسكرية واستراتيجية واستخباراتية ودبلوماسية تعلمت من خلالها كيف تدير الصراع الدولي.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تصبح المقارنة الروسية–الصينية أكثر تعقيدًا. الصين تتفوق على روسيا في حجم الاقتصاد والإنتاج الصناعي وفي عدد متزايد من القطاعات التكنولوجية، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار. لكن روسيا تملك أكبر مساحة لدولة في العالم، وموارد ضخمة من الطاقة والمعادن والأراضي الزراعية والمياه، وصناعة نووية وفضائية وصاروخية، وترسانة نووية استراتيجية، وغواصات نووية، ومدرسة عريقة في الدفاع الجوي والصاروخي، فضلًا عن موقع جغرافي يمتد من أوروبا إلى المحيط الهادئ والقطب الشمالي. والأهم أنها وريثة الجزء الأكبر من القوة الاستراتيجية للاتحاد السوفيتي، الذي كان أحد قطبي النظام الدولي طوال عقود.

روسيا الحديثة تحمل أكثر من إرث سنة 1991

من الخطأ التعامل مع روسيا باعتبارها دولة بدأ تاريخها مع انهيار الاتحاد السوفيتي. فمؤسساتها الاستراتيجية تحمل طبقات متراكمة من تاريخ الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي، من التوسع الأوراسي إلى الحرب العالمية الثانية، ومن بناء الصناعة الثقيلة إلى السباق النووي والفضائي، ومن تجربة الحرب الباردة إلى التدخلات العسكرية التي أعقبتها. وهذا الإرث لا يعني أن روسيا المعاصرة تساوي الاتحاد السوفيتي في قوتها، لكنه يعني أن هناك تراكمًا معرفيًا ومؤسساتيًا لا يظهر كاملًا في أرقام الناتج المحلي.

والصين بدورها صاحبة إرث إمبراطوري وحضاري عميق، ولذلك سيكون خطأ تاريخيًا القول إنها لا تعرف تجربة الإمبراطورية. لكن الإمبراطورية الصينية انتهت سنة 1912، وأعقبتها عقود من الانقسام والحروب والاحتلال الياباني والحرب الأهلية، قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949. ومنذ ذلك الوقت بدأت بكين عملية طويلة لاستعادة الدولة المركزية ثم بناء القوة الصناعية والعسكرية، في حين ورثت روسيا بعد سنة 1991 مباشرة مقعد الاتحاد السوفيتي الدائم في مجلس الأمن وجانبًا كبيرًا من ترسانته النووية ومؤسساته العسكرية والصناعات الاستراتيجية.

ستالين وماو: خلاف أيديولوجي أم قراءة مبكرة للجغرافيا؟

هنا ينبغي العودة إلى واحدة من أكثر المراحل إثارة في تاريخ العلاقة: علاقة جوزيف ستالين بماو تسي تونغ. من السهل اختزال التوتر بينهما في الخلافات داخل الحركة الشيوعية العالمية، لكن الوثائق التاريخية تجعل هذا التفسير غير كافٍ. فعندما انتصر الشيوعيون في الصين وذهب ماو إلى موسكو، لم تكن العلاقة بين الطرفين علاقة تلقائية بين زعيم المعسكر الشيوعي وقائد ثورة شيوعية منتصرة؛ كانت هناك مساومات تتعلق بالتحالف الجديد والمساعدات والمصالح السوفيتية في منشوريا وبورت آرثر وسكة حديد تشانغتشون.

ومن هنا يمكن طرح فرضية تاريخية تستحق النقاش: هل كان تحفظ ستالين تجاه ماو سياسيًا واستراتيجيًا بقدر ما كان أيديولوجيًا؟ وهل أدرك أن قيام دولة صينية موحدة، ضخمة السكان، مستقلة القرار، ومجاورة للاتحاد السوفيتي سيخلق مستقبلًا مركز قوة يصعب إبقاؤه في موقع «الأخ الأصغر»؟ لا نحتاج إلى اختراع وثيقة تنسب هذه النبوءة إلى ستالين؛ فالأكثر إثارة هو قراءة السلوك نفسه. لقد أراد الاتحاد السوفيتي الصين حليفًا، لكنه لم يكن مستعدًا بسهولة للتخلي عن مصالحه الاستراتيجية، بينما أراد ماو المساعدة السوفيتية من دون قبول وصاية دائمة.

المفارقة الأولى: الاتحاد السوفيتي يساعد في بناء الصين الحديثة

على الرغم من ذلك الحذر، كان الدور السوفيتي في بناء الصين الصناعية والعسكرية خلال الخمسينيات بالغ الأهمية. فقد شملت المساعدة المصانع والخبراء والتدريب والتعليم والصناعات الثقيلة والطيران والمدرعات والمدفعية ومجالات علمية وتقنية متعددة. ولم تكن المسألة مساعدة مالية عابرة، بل عملية واسعة لنقل المعرفة الصناعية إلى دولة كانت تحاول تجاوز آثار عقود من الحرب والتفكك.

والمفارقة التاريخية واضحة. فقد ساهم الاتحاد السوفيتي في بناء جانب من القاعدة التي سمحت للصين لاحقًا بالاستقلال عنه ومنافسته. وهذا النمط سيعود مرة أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عندما تشتري الصين التكنولوجيا الروسية ثم تستوعبها وتنتقل تدريجيًا من موقع المشتري إلى موقع المنتج والمنافس.

الصواريخ الصينية لها فصل سوفيتي لا يجوز حذفه

وصل التعاون المبكر إلى التكنولوجيا الصاروخية. فقد حصلت الصين في الخمسينيات على صواريخ سوفيتية من طراز “آر-2” (R-2) وعلى معرفة مرتبطة بالتكنولوجيا الصاروخية، في مرحلة كانت فيها بكين تؤسس البنية العلمية والتقنية لبرامجها الاستراتيجية. ولا يعني ذلك أن الترسانة الصينية الحالية مجرد امتداد للصناعة السوفيتية؛ فقد طورت الصين خلال العقود اللاحقة عائلات صاروخية مستقلة ومتقدمة للغاية. لكن حذف البداية السوفيتية من الرواية يجعل التاريخ يبدأ من منتصفه.

وهذا الأمر مهم لأن القوة الصاروخية أصبحت اليوم من أهم عناصر القوة العسكرية الصينية. فالصين تمتلك ترسانة ضخمة ومتنوعة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والأسلحة المتوسطة المدى والأسلحة فرط الصوتية، لكن الانتقال من الاستفادة من التكنولوجيا السوفيتية إلى بناء مدرسة صاروخية وطنية استغرق عقودًا من الاستثمار والتطوير.

الدبابات: من “تايب-54” إلى “تيب 59” ثم الاستقلال

وينطبق المسار نفسه على القوات البرية. فقد ارتبطت إحدى البدايات الأساسية للصناعة المدرعة الصينية الحديثة بالدبابة السوفيتية “تي-54أ” (T-54A)، التي أصبحت أساسًا للدبابة الصينية “تايب 59” (Type 59) ومن هذه المرحلة تطورت أجيال متعددة من الدبابات الصينية وصولًا إلى “96 تايب” (Type 96) و”تايب 99″ (Type 99) وغيرها من المنظومات الحديثة.

وينمكن وصف الدبابات الصينية الحديثة بأنها نسخا روسية تقريبية؛ وهذا لا يعني أن الصناعة الصينية لم تخطو خطوات إلى الأمام، فقد مرت بعقود من التطوير المحلي واستفادت من مصادر تقنية متعددة وطورت حلولها الخاصة. وبالتالي لا يمكن محو الأصل السوفيتي لإحدى أهم نقاط البداية. وهذا التفريق بين الأصل التكنولوجي والتطور المحلي ضروري لفهم العلاقة كلها. فالصين لم تبقَ مقلدة، لكنها لم تبدأ من فراغ، بل من منشأ علمي روسي.

من “الأخ الأصغر” إلى الخصم الحدودي

مع نمو الدولة الصينية، بدأت حدود العلاقة الأيديولوجية تظهر بسرعة. فالصين لم تقبل أن تبقى في موقع الطرف الأدنى داخل المعسكر الشيوعي، وتداخل الخلاف العقائدي مع التنافس على القيادة، والنفوذ، والسيادة، والحدود. وفي سنة 1969 تحولت التوترات إلى اشتباكات عسكرية مباشرة بين الاتحاد السوفيتي والصين.

وهنا تظهر حقيقة تاريخية ينبغي استحضارها كلما استخدم تعبير «التحالف الروسي–الصيني» اليوم كما لو كان قدرًا دائمًا. وعلى الرغم من أن الدولتان قد جمعت بينهما الأيديولوجيا والمساعدة العسكرية والصناعية، فقد وصلتا خلال أقل من عقدين إلى حافة الحرب. فالمصالح القومية والجغرافيا يمكن أن تكون أقوى من الشعارات.

أفغانستان: عندما ساعدت الصين من يقاتلون الجيش السوفيتي

بلغ انقلاب العلاقة مستوى أكثر وضوحًا بعد دخول القوات السوفيتية أفغانستان سنة 1979. فقد دعمت الصين المجاهدين الأفغان الذين قاتلوا القوات السوفيتية، ومرت جوانب من هذا الدعم عبر باكستان ضمن شبكة دولية أوسع شاركت فيها الولايات المتحدة ودول أخرى. وتكشف الوثائق الأمريكية المنشورة ضمن سلسلة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» أن بكين كانت مستعدة لتقديم السلاح للمقاومة الأفغانية، وأنها نظرت إلى جعل التدخل السوفيتي أكثر كلفة بوصفه متوافقًا مع مصالحها الاستراتيجية.

ينبغي الإشارة، إلى أن الذين قاتلوا السوفييت في الثمانينيات كانوا المجاهدين الأفغان، وليس حركة طالبان التي ظهرت لاحقًا في التسعينيات. أما الدلالة السياسية فهي أعمق من كمية السلاح التي قدمتها الصين؛ فبكين، عندما رأت الاتحاد السوفيتي خصمًا استراتيجيًا، لم تتردد في دعم قوة مسلحة تستنزف جيشه.

انهيار الاتحاد السوفيتي يقلب المعادلة مرة أخرى

ثم جاءت المفارقة التالية. انهار الاتحاد السوفيتي، ودخلت الصناعات العسكرية الروسية أزمة مالية عميقة، بينما كانت الصين تريد تحديث قواتها بسرعة. وجدت موسكو في الصين سوقًا ضخمة، ووجدت بكين في روسيا مخزونًا من التكنولوجيا المتقدمة يمكن أن يختصر سنوات من البحث والتطوير.

ومن هنا بدأت واحدة من أهم مراحل التعاون العسكري التقني بين الدولتين. اشترت الصين مقاتلات”سوخوي-27″ (Su-27) و”سوخوي-30″ (Su-30)، ثم لاحقًا “سوخوي-35” (Su-35)، وغواصات “كيلو” (Kilo)، ومدمرات “سوفريميني” (Sovremenny)، ومنظومات “إس-300″ (S-300) ثم «إس-400” (S-400)، إضافة إلى المحركات، والتسليح، والمكونات، والخبرات.

ولم تكن الصين زبونًا هامشيًا؛ فقد أصبحت في مرحلة مهمة أكبر مشترٍ للسلاح الروسي، واستحوذت في بعض السنوات على نسبة ضخمة من صادرات روسيا من الأسلحة الرئيسية.

“سوخوي” الصينية: الشراء لم يكن نهاية القصة

كانت “سوخوي-27” واحدة من أهم حلقات هذا التحول. فقد حصلت الصين على المقاتلة الروسية ثم دخلت في ترتيبات لإنتاجها محليًا، وظهرت بعد ذلك عائلة “جيه-11” (J-11). ومع الوقت أصبحت مسألة الهندسة العكسية والملكية الفكرية مصدر قلق روسي؛ فموسكو لم تعد تخشى خسارة صفقة واحدة، بل احتمال أن تشتري الصين منظومة روسية وتدرسها وتنتج مشتقًا محليًا ثم تنافس روسيا نفسها في السوق الدولية.

لاحقًا ظهرت طائرات صينية أكثر استقلالًا مثل “جيه-16” (J-16)، وتقدمت بكين في الرادارات، والإلكترونيات، والتسليح، والتصميم. وهذه تحديدًا قصة النجاح الصيني: الشراء، ثم التعلم، ثم الاستيعاب، ثم التوطين، ثم المنافسة.  لكنها أيضًا قصة تكشف مقدار الدور الروسي في تسريع بعض مراحل هذا الصعود.

المحركات: العقدة التي استمرت أطول من الطائرة

يصبح الدور الروسي أوضح في المحركات النفاثة، لأن إنتاج محرك متقدم وموثوق وعالي العمر التشغيلي أصعب كثيرًا من تقليد الهيكل الخارجي لطائرة. ولهذا استمرت الصين في استخدام وشراء محركات روسية خلال مرحلة متقدمة من تحديث سلاحها الجوي، ومن أبرزها “إيه إل-31″ (AL-31) ، و”آر دي-93″ (RD-93) و”دي-30” (D-30) .

وفي المقابل استثمرت الصين بكثافة في المحركات المحلية، وظهرت عائلات مثل “دبليو إس-10″ (WS-10) و”دبليو إس-15″ (WS-15) و”دبليو إس-20”  (WS-20) . ولذلك لا يمكن اليوم القول إن الصين عاجزة عن صناعة محركاتها أو أنها تعتمد على روسيا في كل برامجها، لكن استمرار المحركات الروسية في سلاسل التوريد الصينية حتى مرحلة متقدمة يكشف مدى أهمية التكنولوجيا الروسية في هذا القطاع.

المصادر الروسية نفسها تتحدث عن الرغبة الصينية في التكنولوجيا

هذه ليست رواية غربية فقط. فقد درست الباحثة الروسية ماريانا يفتودييفا، من البيئة البحثية المرتبطة بـ«معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية»، تطور التعاون العسكري التقني بين موسكو وبكين، ولفتت إلى الاهتمام الصيني بالحصول على أحدث المنظومات الروسية وباستيعاب التكنولوجيا ونقلها.

وهذا يغير معنى تجارة السلاح بين البلدين. فبالنسبة إلى الصين لم تكن الصفقة مجرد شراء عدد من الطائرات أو الصواريخ، وإنما فرصة للدخول في تماس مباشر مع مدارس هندسية وتقنية متقدمة ثم محاولة توطين ما يمكن توطينه.

البحر: من «كيلو» و«سوفريميني» إلى أسطول صيني هائل

في المجال البحري تكرر النمط نفسه. فقد اشترت الصين غواصات «كيلو» ومدمرات «سوفريميني» وتسليحًا بحريًا روسيًا في مرحلة كانت تحاول فيها سد فجوات مهمة. وبعد ذلك بنت قاعدة صناعية بحرية هائلة، وأصبحت قادرة على إنتاج المدمرات والفرقاطات والغواصات وحاملات الطائرات بمعدلات لا تستطيع روسيا المعاصرة مجاراتها كميًا.

وهنا لا توجد مشكلة في الاعتراف بالتفوق الصناعي الصيني. لكن الاعتراف به لا يتطلب إعادة كتابة المرحلة السابقة. فالصين استفادت من التكنولوجيا الروسية ثم استخدمت حجم اقتصادها وقاعدتها الصناعية لتتجاوز مرحلة الاستيراد. وهذا نجاح صيني حقيقي، لكنه نجاح تحقق جزئيًا من خلال القدرة الاستثنائية على امتصاص التكنولوجيا الأجنبية وتحويلها إلى قدرة وطنية.

“إس-300″ و”إس-400”: مدرسة الدفاع الجوي

اشترت الصين كذلك منظومات “إس-300″، ثم أصبحت من أوائل المشترين الأجانب لمنظومة “إس-400”. وفي الوقت نفسه بنت منظومات دفاع جوي صينية متطورة. ولا ينبغي اختزال المنظومة الدفاعية في الصاروخ وحده؛ فهي تشمل الرادارات والقيادة والسيطرة وتحديد الأهداف والاعتراض والحرب الإلكترونية وعقيدة الاستخدام. ولذلك فإن شراء مثل هذه الأنظمة يضع الدولة المشترية في تماس مع مدرسة تكنولوجية وعملياتية كاملة.

الصواريخ: المجال الذي يكسر بساطة مفهوم “الشريك الأصغر”

عند الانتقال إلى الصواريخ تصبح فكرة أن روسيا تحولت ببساطة إلى “الشريك الأصغر” أكثر صعوبة. فالصين قوة صاروخية كبرى، خصوصًا في الصواريخ البرية التقليدية والمتوسطة المدى، وتملك برامج متقدمة في الأسلحة فرط الصوتية. لكن روسيا تحمل تراكمًا سوفيتيًا وروسيًا يمتد إلى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ المطلقة من الغواصات وصواريخ كروز ومحركات الصواريخ والرادارات الاستراتيجية والدفاع الجوي والصاروخي والثالوث النووي.

وتملك روسيا كذلك منظومات حديثة مثل “أفانغارد” (Avangard) و”كينجال” (Kinzhal) و”تسيركون” (Zircon)، بينما تملك الصين منظومات مثل “دي إف-17” (DF-17) وبرامج أخرى متقدمة. لذلك فالسؤال العلمي ليس: من هو الأفضل في الصواريخ بصورة مطلقة؟ بل: أي فئة، وأي مهمة، وأي منظومة ردع؟ ففي بعض المجالات تمتلك الصين قدرة هائلة، وفي مجالات الردع الاستراتيجي تحمل روسيا تراكمًا أقدم وأعمق، وقدرة هائلة لا تملكها أي دولة في العالم.

روسيا تساعد الصين في بناء الإنذار المبكر الصاروخي

ومن أكثر الوقائع التي تكشف عمق هذا الإرث ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سنة 2019 عن مساعدة روسيا للصين في إنشاء نظام للإنذار المبكر من الهجوم الصاروخي. وأوضح أن روسيا والولايات المتحدة كانتا الدولتين اللتين تمتلكان منظومات من هذا النوع، وأن المساعدة الروسية ستسرع بناء القدرة الصينية وترفع مستوى دفاعها.

وتكمن أهمية هذه المسألة في أن الإنذار المبكر ليس سلعة عسكرية عادية؛ إنه جزء من بنية الردع النووي، يتعلق باكتشاف إطلاق الصواريخ وتحديد مساراتها وإعطاء القيادة الوقت لاتخاذ قرار بالغ الخطورة. ولذلك فإن التعاون في هذا القطاع يكشف مستوى من المعرفة الاستراتيجية الروسية يصعب التوفيق بينه وبين صورة روسيا بوصفها قوة عسكرية أصبحت محتاجة إلى الصين كي تبقى في الصف الأول.

فرط الصوتية: قوتان متقدمتان لا وريث ومعلم إلى الأبد

حققت روسيا والصين تقدمًا كبيرًا في الأسلحة فرط الصوتية، وأصبحتا إلى جانب الولايات المتحدة في مركز المنافسة الدولية في هذا المجال. وهذا يوضح بدوره أن علاقة المعلم والمتعلم لا تستمر إلى الأبد. الصين التي استفادت من الاتحاد السوفيتي وروسيا أصبحت قادرة على الابتكار المستقل، وفي بعض المجالات على منافسة روسيا مباشرة.

لكن هذا لا يلغي التاريخ، بل يكشف طبيعته. فقد انتقلت الصين من مرحلة الحاجة إلى المعرفة الأجنبية إلى مرحلة بناء المعرفة الوطنية، وهو أحد أكبر إنجازاتها الاستراتيجية.

الانتصار على النازية والذاكرة العسكرية الروسية

هناك عنصر آخر لا يظهر في أرقام الاقتصاد: الذاكرة العسكرية. فقد تحمل الاتحاد السوفيتي العبء الأكبر من الحرب البرية ضد ألمانيا النازية، ودفع ثمنًا بشريًا وماديًا هائلًا. ومن موسكو وستالينغراد وكورسك إلى عملية باغراتيون ثم برلين، كان الجيش الأحمر عنصرًا مركزيًا في تحطيم القوة العسكرية الألمانية. وهذا لا يلغي الدور الأمريكي والبريطاني وبقية الحلفاء أو أهمية المساعدات الأمريكية، لكنه يجعل الجبهة الشرقية قلبًا أساسيًا في تاريخ الحرب الأوروبية.

أما في الحرب ضد اليابان، فقد كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قد خاضوا حربًا طويلة في المحيط الهادئ، واستخدمت واشنطن السلاح النووي، ثم دخل الاتحاد السوفيتي الحرب وشن هجومًا هائلًا في منشوريا أدى إلى تحطيم جيش كوانتونغ. ولذلك لا يمكن نسبة هزيمة اليابان إلى الاتحاد السوفيتي وحده، لكن دخوله الحرب كان عاملًا عسكريًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية.

والمقصود من العودة إلى هذه الأحداث ليس الاحتفال بالتاريخ، بل فهم المؤسسات. فالدولة الروسية ورثت مؤسسات عسكرية واستراتيجية تشكل جانب من ثقافتها من خلال تجربة حرب وجودية، ثم عقود من المنافسة النووية العالمية.

الصين الصناعية الكبرى لم تختبر بعد حربًا مماثلة

الصين خاضت حروبًا وصراعات مهمة بعد سنة 1949، من الحرب الكورية إلى النزاعات الحدودية والحرب مع فيتنام، لكن جيش التحرير الشعبي لم يخض منذ عقود حربًا واسعة عالية الكثافة ضد خصم متقدم تقنيًا. وهذا لا يعني أن الجيش الصيني ضعيف؛ بل يعني وجود فارق بين القدرة المقدرة والقدرة المختبرة.

وهنا تمتلك روسيا اليوم خبرة لا يمكن للصين الحصول عليها من المصنع أو المناورة العسكرية. فالحرب الروسية–الأوكرانية كشفت أخطاء روسية كبيرة، لكنها أجبرت الجيش والصناعة كذلك على التكيف المستمر مع المسيّرات والحرب الإلكترونية والاستطلاع والنيران الدقيقة والدفاع الجوي والتشويش والاتصالات والذكاء الاصطناعي التكتيكي. الخبرة القتالية لا تعني التفوق التلقائي، لكنها رأسمال عسكري حقيقي.

من يحتاج إلى من إذن؟

إذا أخذنا صورة الصين وروسيا في لحظة واحدة، قد يبدو الاتجاه واضحًا: الصين هي الاقتصاد الأكبر والمصنع الأكبر، وروسيا تحتاج إليها. لكن المؤرخ لا ينظر إلى الصورة فقط؛ بل إلى المشهدية كلها. فيرى الاتحاد السوفيتي يساعد الصين في بناء الصناعة، وينقل إليها المعرفة في الطيران والمدرعات والصواريخ، ثم يرى الصين ترفض موقع الطرف الأصغر، ويصل البلدان إلى الاشتباك الحدودي، ثم تدعم بكين المجاهدين الأفغان الذين يقاتلون الجيش السوفيتي. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تعود الصين إلى روسيا للحصول على المقاتلات والمحركات والغواصات والمدمرات والدفاع الجوي، ثم تستوعب التكنولوجيا وتوطّنها وتصبح منافسًا، قبل أن تأتي حرب أوكرانيا والعقوبات فتجعل روسيا أكثر احتياجًا إلى المصنع والسوق الصينيين.

هذه ليست قصة تبعية دائمة في اتجاه واحد، وإنما تاريخ متحرك لموازين القوة.

الصين صعدت، لكنها لم تبدأ من الصفر

لقد حققت الصين واحدة من أكثر عمليات الصعود الصناعي والعسكري إثارة في التاريخ الحديث، ولا تحتاج هذه الحقيقة إلى التقليل من شأن روسيا كي تصبح صحيحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يُكتب تاريخ القوة الصينية وكأن الطيران والمحركات والمدرعات والصواريخ والدفاع الجوي والبحرية الصينية نشأت بمعزل عن عقود من التفاعل مع الاتحاد السوفيتي وروسيا.

الصين تعلمت، واستوعبت، وطورت، وابتكرت، وأصبحت في مجالات متعددة منافسًا، بل متفوقًا صناعيًا. لكن روسيا بدورها لم تتحول لأن الاقتصاد الصيني أصبح أكبر إلى دولة فقدت عناصر القوة العظمى. فما تزال تملك الموارد والجغرافيا والقدرة النووية والصاروخية والصناعة الدفاعية والخبرة العسكرية والاستقلال الاستراتيجي الذي يجعل اختزالها إلى «الشريك الأصغر» وصفًا اقتصاديًا أكثر منه تعريفًا شاملًا للقوة، ورغبة في اضعاف موقعها الأمر الذي لن يتحقق، لا الآن ولا غدا.

ومن هنا ينتقل السؤال إلى مرحلة أكثر أهمية. فإذا كانت الصين قد احتاجت طويلًا إلى التكنولوجيا السوفيتية والروسية، فهل روسيا اليوم بحاجة إلى الصين؟ وهل يمثل ذلك انقلابًا تاريخيًا دائمًا، أم أنه نتيجة استثنائية لحرب أوكرانيا والعقوبات؟ والأهم: هل تريد الصين أصلًا روسيا ضعيفة، أم أنها تريد روسيا قوية بما يكفي لمواجهة الغرب، ومستنزفة بما يكفي كي تحتاج إلى بكين؟ (يتبع)

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.