هل العواصف في انتظارنا؟

الحرب في الجنوب لم تنتهِ، والتاريخ يشهد على أنّ الحروب التي لا تنتج واقعًا جديدًا، ولا تفتح طريقًا نحو تسوية سياسية واضحة، تبقى قابلة للاشتعال في أي وقت. والحرب الحالية ما زالت جذورها حيّة، تضرب في كل بيت وفي كل قرية، مثلما تضرب عميقًا في الأرض. ولبنان، بما يعانيه من هشاشة سياسية واقتصادية واجتماعية، لا يملك ترف الاعتقاد بأنّ الحرب قد أصبحت وراءنا…

والمشهد الداخلي، أيضًا، يبدو كأنّه يقف على أرض متحرّكة، في وقت تتراكم فيه الأزمات بعضها فوق بعض، وتتقاطع الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، ويزداد الشعور بأنّ البلاد دخلت مرحلة دقيقة لا تحتمل مزيدًا من المماطلة أو المغامرة.

وقبل قدوم الشتاء، تبدو الصورة السياسية كأنّها تنذر بعواصف رعدية قاسية؛ ولا يُخشى أن تبقى هذه العواصف سياسية عابرة فحسب، بل أن تتحوّل، إذا أُسيء التعامل معها، إلى فتنة داخلية تأكل من جسد الوطن ما تبقّى من قدرته على الصمود. فالفتنة لا تحتاج دائمًا إلى قرار كبير كي تبدأ؛ إذ قد تبدأ بخطاب متشنّج، أو حادث أمني محدود، أو تحرّك غير مدروس في الشارع، أو شائعة عابرة، أو خطاب تحريضي، ثم تجد في الاحتقان المتراكم وقودًا يكفي لتحويل الشرارة إلى حريق.

المشكلة أنّ الطرق السياسية الداخلية تبدو مسدودة، والنوافذ الخارجية شبه مقفلة، فيما يعيش الحوار بين أقطاب الداخل حالة من الجفاء والقطيعة السياسية. وفي ظل هذا الجمود، تصبح المساحة الفاصلة بين الأزمة والانفجار أضيق من أي وقت مضى. وحين يعجز السياسيون عن إنتاج الحلول، يصبح خطر البحث عن المخارج في الشارع أو عبر التوتر الأمني أكثر حضورًا؛ وحين تتعطّل لغة الحوار، قد تتقدّم لغة القوة؛ وحين تفشل المؤسسات في إنتاج التسويات، يصبح الفراغ نفسه عاملًا من عوامل عدم الاستقرار.

والأخطر من ذلك أنّ هناك من قد يجد في انفجار الداخل فرصة لقلب الطاولة، وإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق موازين جديدة، وتحويل البوصلة من الخارج إلى الداخل، بحيث ينتقل اللبنانيون من مناقشة أسباب الانسداد والعجز إلى الاقتتال حول نتائجهما. وفي مثل هذه الحالات، يصبح اللبناني الخاسر الأول؛ لأنّ تحويل الصراع السياسي إلى صراع داخلي لا يحلّ المشكلة، بل يضاعفها، ويجعل الوطن نفسه ساحة لتصفية الحسابات.

لقد علّمنا التاريخ اللبناني، بكل ما يحمله من آلام وتجارب، أنّ لبنان لا يحتمل لعبة الانقسامات المفتوحة. فهذا البلد ليس مساحة جغرافية فحسب، بل هو صيغة دقيقة من التوازنات والتنوّعات والتداخلات الاجتماعية والسياسية والطائفية. وأي محاولة لكسر هذه المعادلة بالقوة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وقد تعيد إنتاج ذاكرة الحرب الأهلية بكل ما تختزنه من جراح لم تندمل بالكامل.

ومع ذلك، لا يزال لبنان يمتلك، حتى الآن، سلاحًا أكثر أهمية من كل أسلحة الصراع؛ سلاحًا خفيفًا، لكنّه قابل للتطوير: سلاح الوحدة بين اللبنانيين. ولا تعني الوحدة إلغاء الاختلاف، ولا أن يتخلّى اللبنانيون عن قناعاتهم أو انتماءاتهم السياسية والفكرية. فالوحدة الوطنية الحقيقية لا تقوم على التشابه، بل على القدرة على إدارة الاختلاف من دون تحويله إلى عداوة، وعلى الاعتراف بأنّ الخصومة السياسية، مهما اشتدّت، لا ينبغي أن تتحوّل إلى خصومة مع الوطن نفسه.

ولا يزال لبنان، رغم كل أزماته، يمتلك مؤسسات وطنية قادرة على أداء دور صمّام الأمان، وفي مقدّمتها الجيش اللبناني، الذي يمثّل مؤسسة وطنية جامعة، ويشكّل بقاؤه موحّدًا أحد أهم عناصر حماية الدولة ومنع الانزلاق إلى الفوضى. فحين تبقى المؤسسات الوطنية متماسكة، يبقى هناك خيط يمكن الإمساك به لإنقاذ البلاد؛ أمّا حين تُصاب المؤسسات بالانقسام، فإنّ الأزمة تنتقل من السياسة إلى بنية الدولة نفسها.

من هنا، فإنّ المساس بالوحدة الوطنية ليس تفصيلًا سياسيًا، ولا ورقة ضغط يمكن استخدامها في لحظة غضب، بل هو لعب بالنار في بلد يعرف جيدًا ثمن الانقسام. فإذا أخطأ أي طرف، أيًا كان موقعه أو حجمه، وانجرف نحو ضرب هذه الوحدة أو استدراج اللبنانيين إلى مواجهة داخلية، فإنّ الخطر لن يصيب خصمًا دون آخر، بل سيصيب لبنان كلّه.

عندها، لن يكون السؤال: من انتصر على من؟ بل: هل بقي وطن يمكن أن ينتصر فيه أحد؟

إنّ مصير لبنان يصبح، عندها، على المحكّ، بل إنّ أساس وجود الدولة، بما تمثّله من عقد اجتماعي وعيش مشترك ومؤسسات جامعة، يدخل دائرة الخطر. فالبلدان قد تتعافى من الحرب الخارجية، وقد تعيد بناء ما هدّمته الصواريخ، لكنّها تحتاج إلى أجيال طويلة كي تداوي جراح الحرب الداخلية؛ لأنّ الحرب الداخلية لا تهدم الحجر وحده، بل تهدم الثقة بين الناس، وهي أثمن ما تحتاج إليه الأوطان لكي تستمر.

لذلك، فإنّ المطلوب اليوم ليس انتظار الانفجار لمعرفة حجمه، بل العمل على منعه قبل وقوعه. فالسياسة ليست إدارة الأزمات بعد انفجارها، بل هي القدرة على استشرافها وإطفاء أسبابها قبل أن تتحوّل إلى وقائع يصعب احتواؤها.

لبنان يحتاج إلى شجاعة سياسية توازي حجم الخطر. يحتاج إلى إعادة فتح قنوات الحوار، وتخفيف منسوب الخطاب المتوتّر، وإعادة الاعتبار لمنطق التسوية، ووضع الخلافات السياسية ضمن حدود المؤسسات الدستورية، بعيدًا من الشارع ومنطق كسر العظم. كما يحتاج إلى تفاهم داخلي يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية والحزبية، وإلى إدراك عميق بأنّ الخارج، مهما كان تأثيره، لا يستطيع أن ينقذ بلدًا يقرّر أبناؤه هدم جسوره من الداخل.

فهل نبادر إلى اجتراح حلول سياسية تحفظ الدولة، وتحمي المجتمع، وتصون الوحدة الوطنية، أم نترك البلاد تتدحرج من أزمة إلى أخرى، حتى تصبح الفتنة قدرًا مفروضًا على الجميع؟

إنّ الفرصة لا تزال قائمة، مهما بدا المشهد قاتمًا. وما دام الحوار ممكنًا، والمؤسسات قائمة، والجيش موحّدًا، وروابط العيش المشترك لم تنقطع، فإنّ إنقاذ لبنان لا يزال ممكنًا. لكنّ الوقت ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية.

فالأوطان لا تسقط فجأة؛ بل غالبًا ما تسقط حين تتراكم التحذيرات، ويتعامل معها أهلها كأنّها مبالغات، وحين يصبح الصمت أسهل من المبادرة، والتأجيل أيسر من اتخاذ القرار. ولبنان، اليوم، يحتاج إلى قرار شجاع قبل أن يصبح الندم هو القرار الوحيد المتاح.

إنقاذ لبنان لا يبدأ بانتظار المعجزة، بل باستعادة العقل السياسي، وإحياء الحوار، وحماية المؤسسات، وترميم الثقة، وإعلاء الانتماء الوطني فوق كل انقسام. فإذا كان لبنان قد تعلّم شيئًا من حروبه السابقة، فهو أنّ الجميع يستطيع أن يبدأ الحرب، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن نهايتها.

أمّا السلام، فيحتاج إلى شجاعة أكبر. ولعلّ أعظم شجاعة وطنية، اليوم، أن ندرك جميعًا أنّ لبنان، بكل اختلافاته، أكبر من أي طرف، وأبقى من أي سلطة، وأغلى من أي انتصار سياسي عابر.

 

المصدر: د. محمد فقيه

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.