بين شعب يحاسب قيادته عبر صناديق الاقتراع، وشعب يعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، يبقى السؤال: متى يتعلّم اللبناني أن صوته أمانة، وليس إرثًا طائفيًا؟
أثبتت التجربة الديمقراطية في الولايات المتحدة أن صندوق الاقتراع ليس مجرد وسيلة لإيصال السياسيين إلى السلطة، بل هو أيضًا أداة لمحاسبتهم ومعاقبتهم عندما يفشلون في إدارة شؤون البلاد ويخيّبون آمال المواطنين.
فالناخب الأميركي، عندما يشعر بأن قيادته السياسية لم تعد تمثّل تطلّعاته، وأن الوعود الانتخابية تحوّلت إلى شعارات فارغة، يمتلك القدرة على سحب ثقته منها ومنح صوته لبديل آخر. فلا زعيم فوق المحاسبة، ولا حزب يمتلك أصوات الناس إلى الأبد، ولا ولاء سياسي ينبغي أن يتقدّم على مصلحة المواطن ومستقبل أبنائه.
أما في لبنان، فيبدو المشهد مختلفًا تمامًا. فالمشكلة لا تكمن فقط في طبقة سياسية أثبتت فشلها مرارًا، بل في عقلية انتخابية لا تزال تعيد إنتاج هذه الطبقة تحت عناوين الطائفة والمذهب والزعامة والخوف من الآخر.
لقد اعتاد جزء كبير من اللبنانيين محاسبة السياسيين في المجالس والمقاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكنهم، عندما يصلون إلى صناديق الاقتراع، يعودون إلى الاصطفافات نفسها، وكأن الذاكرة السياسية لا تتجاوز حدود الانتماء الطائفي.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: شعب يشتكي من الفساد، ويعاني من انهيار المؤسسات، ويفتقد أبسط مقوّمات الدولة، ثم يمنح أصواته مجددًا لمن ساهموا في صناعة هذا الواقع.
كيف يمكن لشعب أن يطالب بالعدالة والمساواة والمحاسبة، فيما يرفض محاسبة ممثّليه لمجرد أنهم ينتمون إلى طائفته أو منطقته؟ وكيف يمكن بناء دولة حديثة بعقلية تعتبر الزعيم ملكًا للطائفة، والناخب مجرد رقم في حساباته الانتخابية؟
إن الديمقراطية ليست في أن تنتخب من يشبهك طائفيًا، بل في أن تختار من يشبه طموحاتك الوطنية، ومن يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على بناء دولة تحترم مواطنيها.
في الولايات المتحدة، يستطيع الناخب أن يعاقب السياسي بصوته، أما في لبنان، فكثيرًا ما يعاقب الناخب نفسه بإعادة انتخاب السياسي ذاته!
ويبقى السؤال الأهم: هل سيتعلّم اللبناني يومًا أن صوته ليس ملكًا للزعيم، ولا إرثًا للطائفة، بل هو حق ومسؤولية تجاه وطنه؟
فالمشكلة ليست فقط في السياسي الذي خذل شعبه، بل أيضًا في الناخب الذي يمنحه فرصة جديدة لخذلانه.
فالأوطان لا تسقط بالسياسيين وحدهم، بل تسقط أيضًا عندما يفقد المواطن شجاعة محاسبتهم.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
