لبنان الذي خذلناه

كيف يمكن لشعبٍ أن يطالب بالعدالة والمساواة، وهو منقسم في الصميم؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن دولة القانون والمؤسسات، بينما نعود في كل ستحقاق إلى انتخاب الطبقة السياسية نفسها التي ساهمت في إيصال البلد إلى هذا الحضيض؟

المفارقة أن الناخب اللبناني لا يختار دائمًا على أساس البرنامج أو الكفاءة أو سجلّ المرشح، بل كثيرًا ما تحكمه الطائفة والمنطقة والعائلة والزعامة. يصبح السؤال: «من أي طائفة هو؟» أهم من السؤال: «ماذا قدّم؟ وماذا سيفعل من أجل الدولة؟».

وهكذا تتحول الانتخابات من فرصة لمحاسبة المسؤول إلى مناسبة لإعادة إنتاجه.

نشتكي من الفساد، ثم ننتخب من اتُّهم بالفساد. نشتكي من انهيار الدولة، ثم نعيد اختيار من كانت له مصلحة في إضعافها. نطالب بالكهرباء والطبابة والتعليم والقضاء، ثم نعود إلى الصندوق محمّلين بالولاء الطائفي نفسه الذي أوصلنا إلى هنا.

المشكلة إذًا ليست في السياسي وحده. السياسي يستفيد من الانقسام، لكن الانقسام يجد قوته في مجتمع يمنحه الشرعية والاستمرار.

لبنان لا يحتاج فقط إلى تغيير الوجوه، بل إلى تغيير العقلية التي تصنع هذه الوجوه وتعيد إنتاجها.

فطالما بقي المواطن يرى نفسه أولًا ابن طائفة، أو منطقة، أو زعيم، قبل أن يرى نفسه مواطنًا لبنانيًا، ستبقى الدولة الحلقة الأضعف، وستبقى المحاسبة شعارًا جميلًا نردده عندما نكون غاضبين، ثم ننساه عندما يحين موعد الانتخابات.

والحقيقة الأكثر إيلامًا أن لبنان لم يخذله السياسيون وحدهم؛ خذلناه جميعًا عندما سمحنا للطائفة أن تكون أقوى من المواطنة، وللزعامات أن تكون أقوى من الدولة، وللذاكرة السياسية أن تكون أقوى من مستقبل أبنائنا.

لذلك، إذا كان لا بد من محاكمة، فليست محاكمة لبنان. لبنان هو الضحية.

الذي يستحق المحاكمة هو هذا النظام من الولاءات، وهذه العقلية التي جعلت من الطائفة هوية سياسية، ومن الزعيم مرجعية، ومن الدولة غنيمة، ومن المواطن مجرد صوت انتخابي يعود إليه السياسي كل أربع سنوات.

أما لبنان، فقد دفع الثمن. دفعه من اقتصاده، ومستقبل شبابه، وهجرة أبنائه، وانهيار مؤسساته، ومن كرامة شعب كان يستحق دولة أفضل بكثير مما صنعناه له.

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.