تحوّلت السماء إلى ساحة اغتيال، وكاد الملك أن يفقد عرشه في لحظات. ففي السادس عشر من آب عام 1972، عاش المغرب والعالم فصول واحدة من أكثر محاولات الانقلاب إثارةً وغموضاً في التاريخ الحديث. بدا المشهد كأنه مقتطع من فيلم سينمائي مشحون بالتشويق والدماء، لكنه كان واقعاً مرعباً وضع حكم الملك الحسن الثاني على حافة السقوط، وكاد أن يغيّر مسار المملكة إلى الأبد.
على ارتفاع آلاف الأمتار، وجد الملك نفسه على متن طائرته الملكية هدفاً لمقاتلات حربية مغربية انقضّت عليها في محاولة لاغتياله. غير أن المفارقة الأكثر إثارة في هذه الواقعة لم تكن المطاردة الجوية وحدها، بل الخدعة التي لجأ إليها لإنقاذ حياته؛ إذ أمر بإعلان مقتله، في مناورة جريئة قلبت مسار الأحداث، وحوّلت اللحظات التي كانت تفصله عن الموت إلى فرصة للنجاة، في واحدة من أكثر الوقائع دراماتيكية في تاريخ العرش المغربي.
بدأت القصة برحلة عودة روتينية من فرنسا إلى المغرب على متن طائرة «بوينغ 727». وفجأة، تحوّلت سماء الأمان إلى جحيم، حين ظهرت مقاتلات من طراز «إف-5»، بدت كأنها تؤدي مهمة ترحيب أو مرافقة، بينما كانت قد أُرسلت لإسقاط الطائرة الملكية وتصفية رأس الدولة.
وفي لحظات معدودة، تحوّلت رحلة العودة إلى مطاردة جوية شرسة بقصد الاغتيال. فتحت إحدى المقاتلات نيرانها الكثيفة، واخترقت الرصاصات هيكل الطائرة وسط صرخات الرعب وحالة الهلع التي سادت بين الركاب، فيما وجد الطيار نفسه يخوض معركة شبه مستحيلة للسيطرة على طائرة مزّقها الرصاص في مهبّ الريح.
ولم يقتصر الخطر على الملك، بل امتدّ إلى عائلته ومرافقيه ومسؤولين كبار كانوا يشاركونه الرحلة. وبينما كان الدخان يتصاعد من داخل الطائرة الملكية، مع سقوط قتلى وجرحى من طاقم الأمن، أدرك الحسن الثاني أن الاحتكام إلى القوة والمواجهة التقليدية يعني السقوط المحتّم. ووسط الفوضى والدمار، وُلدت الفكرة الجامحة التي أنقذت الموقف: الخداع الأخير.
في تلك اللحظات العصيبة، برزت العبارة المدوّية: «الملك مات». فبأوامر ملكية مباشرة، تولّى أحد أفراد الطاقم نقل الرسالة عبر جهاز اللاسلكي، كي لا يتعرّف المهاجمون إلى صوت الملك. وأُبلغ برج المراقبة بأن الحسن الثاني فارق الحياة إثر إصابة قاتلة، وأن الطيار عاجز عن مواصلة الرحلة.
وكما خطّط الملك، ابتلع الطيارون المهاجمون الطُّعم، وظنّوا أن مهمتهم تكلّلت بالنجاح. فتوقفوا عن إطلاق النار، معتقدين أنهم حسموا المعركة، فيما كان الحسن الثاني يراقب بصمت وأعصاب مشدودة.
وبعد دقائق معدودة، تمكّن الطيار، بمهارة استثنائية وفي نجاة بدت أشبه بالمعجزة، من الهبوط بالطائرة المتضررة بسلام في مطار الرباط. وما إن فُتح بابها حتى انكشفت الحقيقة المفزعة: لم يكن ما جرى عطلاً تقنياً، بل محاولة انقلاب عسكري دموي قادها ضباط كبار، من بينهم العقيد محمد أمقران، فيما حامت الشبهات حول الرجل الثاني في الدولة، الجنرال محمد أوفقير.
ولم تكن تلك الصدمة الأولى؛ فقد سبقتها بعام واحد فقط مجزرة قصر الصخيرات الدموية، لتؤكد محاولة عام 1972 أن العرش كان يقف على فوهة بركان من الصراع العسكري على السلطة.
وهكذا، تحوّلت عبارة «الملك مات» من كذبة يائسة في لحظة رعب إلى أسطورة في فن إدارة الأزمات، ورمز لملك استطاع، ببرودة أعصاب وحيلة داهية، أن ينتزع حياته من بين أنياب الموت. وبقيت تلك الرحلة واحدة من أكثر الوقائع إثارةً وغرابةً في تاريخ المغرب المعاصر.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
