قبل أكثر من عقد، تلقّيت دعوة لإلقاء محاضرة في مؤتمر عُقد في إحدى الجزر الإيطالية، وكان عنوانه: «مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأوضاع الأمنية والسياسية في دول حوض البحر المتوسط».
شارك في المؤتمر باحثون وإعلاميون من دول عربية وأوروبية، وكانت لديهم معرفة أولية بقوّة هذه الوسائل، التي تركت أثراً واضحاً في الدول العربية التي شهدت أحداث ما سُمّي بـ«الربيع العربي».
أمّا اليوم، فقد بلغت وسائل التواصل الاجتماعي مستوى غير مسبوق من التأثير، مواكبةً تطوّراً تكنولوجياً عزّز قدرات المستخدمين، وأتاح لهم أدوات للاتصال والإنتاج الإعلامي ذات تأثير واسع.
ولعلّ عام 2026 يشهد نماذج لافتة لهذا التحوّل، أبرزها تجربة زهران ممداني، الذي فاز بمنصب عمدة نيويورك، مستفيداً من استراتيجية إعلامية محكمة اعتمدها فريقه، وأسهمت في الوصول إلى شرائح واسعة من الناخبين، وتسليط الضوء على شخصيته ومواقفه وجولاته الميدانية. وقد تضافرت هذه المهنية الإعلامية مع حضوره الشخصي ودعم الحزب الديمقراطي، فعزّزت فرص فوزه.
وفي السياق ذاته، اتّبع عبد الرحمن السيد، مرشّح الحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان، استراتيجية إعلامية مستوحاة من تجربة ممداني، ركّزت على إبراز مواقفه وتحرّكاته الميدانية، الأمر الذي انعكس على حضوره الانتخابي، وأثار حملة مضادّة تصدّرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعماً لمنافسه الجمهوري.
ولم يقتصر هذا التأثير على الولايات المتحدة؛ فقد برز أيضاً في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، حيث نجحت حملة الدكتور أحمد الطيبي، أحد أبرز قادة القائمة المشتركة، في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في مسار الدعاية الانتخابية. وفي المقابل، حاول بنيامين نتنياهو، وإن متأخّراً، استعادة التواصل المباشر مع الجمهور عبر ظهوره في أماكن عامة في بئر السبع ونتانيا. أمّا إيتمار بن غفير، فقد واجه انتقادات واسعة عزّزتها مقاطع الفيديو التي بثّتها حملة الطيبي، إلى جانب مواقفه العنصرية التي أثارت اعتراضات لدى قطاعات من الجمهور.
وتكشف هذه النماذج أن تأثير «عدوى» وسائل التواصل الاجتماعي في الانتخابات بات يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن الإعلام التقليدي يواجه منافسة متزايدة من المنصّات الرقمية والمؤثّرين وصنّاع المحتوى. وتكمن قوّة هذه الوسائل في انخفاض تكاليفها، وسرعة انتشارها، وقدرة الشباب على توظيفها بمهارات مكتسبة ذاتياً، دون الحاجة إلى مؤسسات إعلامية ضخمة.
لكن هذه القوّة تنطوي على تحدّيات لا تقلّ أهمية، أبرزها التضليل الإعلامي، والتلاعب بالخوارزميات، وانتشار المعلومات غير الموثّقة، ما يجعل التحقّق من المحتوى والالتزام بالمصداقية المهنية ضرورة لا غنى عنها.
وفي خضمّ هذه التحوّلات، يتّجه العالم نحو أنماط جديدة من التأثير والقيادة، في ظلّ تدفّق معلوماتي هائل يتجاوز، في كثير من الأحيان، الحدود التقليدية للرقابة والقوانين الإعلامية.
وتبقى التجربة الفلسطينية الأكثر إيلاماً في هذا السياق؛ فقد دفع الصحفيون الفلسطينيون في قطاع غزة ثمناً باهظاً لنقل الحقيقة إلى العالم، واستُشهد نحو 300 منهم خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، وفق الأرقام المتداولة. وقد كشفت تغطياتهم الميدانية حجم المخاطر التي يواجهها الإعلاميون في مواجهة الاستهداف ومحاولات حجب الحقيقة.
إن التفاوت الكبير في قدرات الإعلاميين، في ظلّ تباعدهم الجغرافي واختلاف إمكاناتهم، يجعل هذه الظاهرة جديرة بدراسة معمّقة، بهدف تطوير أدواتها وتوظيفها في خدمة الأمن والعدالة وحرية التعبير ومناهضة الاحتلال، ولا سيما في فلسطين، حيث كان الصحفيون من أوائل ضحايا الحرب، بينما كانوا، في الوقت ذاته، شهود الحقيقة الذين نقلوا وقائعها إلى العالم.

جودت مناع
كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.
