تعيد الرياض وأبوظبي، على ما يبدو، اختبار إمكانات التنسيق بينهما في الملف اليمني، في ظل تحولات أمنية إقليمية متسارعة أعادت التهديد الحوثي إلى صدارة الحسابات الخليجية، ورفعت، في الوقت نفسه، مستوى القلق من احتمال استمرار التوتر مع إيران فترة غير محددة. ولا يعني هذا المسار، بالضرورة، أن الخلافات التكتيكية والاستراتيجية التي ظهرت بين السعودية والإمارات خلال العام الماضي قد انتهت، لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن المرحلة الحساسة المقبلة تتطلب قدرًا أكبر من التنسيق وتطوير أدوات الاستجابة الشاملة، خصوصًا في اليمن والبحر الأحمر.
وجاءت زيارة نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، إلى السعودية، ولقاؤه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، في سياق يمكن قراءته بوصفه محاولة جادة لإعادة تنشيط قنوات التواصل المباشرة بشأن ملفات إقليمية شديدة الحساسية. ويكتسب اللقاء أهمية إضافية بسبب الدور المحوري الذي يؤديه الأمير خالد بن سلمان في إدارة الملف اليمني من الجانب السعودي، في مقابل الدور المتنامي لدولة الإمارات في معالجة بعض الملفات الإقليمية الشائكة. ومع ذلك، يصعب اعتبار هذه اللقاءات، وحدها، دليلًا قاطعًا على عودة التحالف السعودي–الإماراتي إلى أوج مستوياته السابقة.
فمنذ انطلاق التدخل العسكري في اليمن عام 2015، حافظت الرياض وأبوظبي على أهداف استراتيجية مشتركة في مواجهة مشروع الجماعة الحوثية، لكنهما اتبعتا، في الوقت نفسه، مقاربات وسياسات مختلفة تجاه القوى اليمنية المحلية. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الاختلاف إلى تنافس بيني وتضارب في المصالح في بعض المناطق الحيوية، ولا سيما في المحافظات الجنوبية.
وبلغ التباين مستوى أكثر حساسية في أواخر عام 2025، مع توسع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في حضرموت والمهرة، الواقعتين في شرق اليمن على الحدود مع سلطنة عُمان. وقد أثار هذا التطور مخاوف سعودية جدية، مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الممتد على طول الحدود، وبمدى قدرة القوى المناهضة للحوثيين على الحفاظ على جبهة متماسكة.
وقد أسهم التدخل السعودي المباشر في احتواء ذلك التصعيد وإعادة رسم الخطوط الحمراء، فيما واصلت الإمارات تقليص انخراطها العسكري المباشر في الساحة اليمنية. غير أن النفوذ الإماراتي لم يختفِ، إذ ما زالت لدى أبوظبي شبكات نفوذ محلية وثيقة ومؤثرة. وتمنح هذه المعادلة الواقعية السعودية مصلحة إضافية في إعادة بناء مستوى متقدم من التفاهم والتنسيق مع الإمارات، خصوصًا إذا اتجه الوضع الميداني في اليمن نحو موجة جديدة من التصعيد.
وتزداد أهمية هذا العامل مع تصاعد الهجمات الحوثية، وارتفاع المخاوف من ارتباط الساحة اليمنية بصورة مباشرة بالتوتر الأوسع مع إيران. فاستمرار الضغط العسكري والأمني على السعودية، إلى جانب التهديد المباشر الذي يطاول طرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن ترتيبات أمنية واستراتيجية أشد قوة وأكثر تنسيقًا، حتى لو بقيت الرؤى متباينة بشأن الهندسة السياسية لمستقبل اليمن.
ومن هنا، يمكن فهم التقارب السعودي–الإماراتي الحالي، بحذر استراتيجي، بوصفه محاولة حثيثة لتقليص مساحة التنافس وضبط الإيقاع، أكثر منه تسوية نهائية وشاملة للتباينات. وقد يكون الهدف العملي المباشر منع القوى المناهضة للحوثيين من الانزلاق إلى جبهات متنافسة تضعف المعسكر المناهض للانقلاب، والاستفادة من القدرات والشبكات الإماراتية، من دون الانزلاق مجددًا نحو إعادة رسم التحالفات العسكرية المباشرة.
وفي حال تراجعت الهدنة اليمنية بصورة نهائية، وعاد التصعيد الميداني إلى مستويات مرتفعة، فقد يصبح هذا التنسيق التكتيكي أكثر محورية وضرورة. لكن من المبكر الجزم بأن الرياض وأبوظبي دخلتا مرحلة تحالف جديدة ذات ملامح ثابتة، فالتباينات بشأن مستقبل الدولة اليمنية وموازين النفوذ الإقليمي لا تزال قائمة.
والأرجح أن الطرفين يحاولان، في الوقت الراهن، تنظيم الخلافات القائمة وإدارتها بدلًا من حسمها، في انتظار اتضاح اتجاه الصراع الإقليمي، ومدى قدرة الحوثيين على تحويل اليمن إلى جبهة ضغط مستدامة تستهدف أمن دول الخليج واستقرارها.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
