لنبدأ من الخلاصة، قبل العودة إلى الوقائع التي سبقتها.
في تاريخ 19 أيلول 2025، صدر المرسوم رقم 1328 المتعلق بتعيين رئيس وأعضاء الهيئة الناظمة للاتصالات، وتضمّن ترفيع مديرة المحاسبة العامة في ملاك مديرية المالية العامة في وزارة المالية، الدكتورة رجاء الشريف، إلى الفئة الأولى، ووضعها خارج الملاك من أجل تعيينها عضواً متفرغاً في الهيئة الناظمة للاتصالات.
وبموجب مرسوم مستقل، حُدّدت مخصصات أعضاء الهيئة بما يعادل نحو سبعة آلاف دولار أميركي شهرياً. وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة.
فالمسألة ليست في التعيين بحد ذاته، بل في العودة إلى الملفات التي كانت مطروحة خلال تولّيها مسؤولياتها في وزارة المالية، وخصوصاً ملف سلسلة الرتب والرواتب الخاصة بالمستخدمين في المستشفيات الحكومية عام 2018.
في 6 حزيران 2018، أعلنت وزارة الصحة رسمياً أن الجداول أُنجزت بعد اجتماعات عدة للّجان المشتركة بين موظفي المستشفيات الحكومية وإدارات المستشفيات ووزارتي الصحة والمال، وبعد صدور قرارات عن مجلس الوزراء والاستحصال على رأي مجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة، كما أشارت الوزارة إلى التعاون مع فريق عمل وزارة المال في إعداد الجداول.
وفي 28 آذار 2018، كان مجلس الوزراء قد وافق على مشروع سلاسل الفئات والرتب والرواتب للمستخدمين في المؤسسات العامة التي تتولى إدارة مستشفى عام، على أن تؤخذ ملاحظات ورأي مجلس شورى الدولة ومجلس الخدمة المدنية.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا تضمّن رأي مجلس الخدمة المدنية، وماذا تضمّن رأي مجلس شورى الدولة بشأن مشروع سلسلة رواتب المستشفيات الحكومية؟ وما هي الملاحظات التي أبدتها كل جهة قبل اعتماد الجداول؟
إذن، نحن أمام ملف رسمي شاركت فيه أكثر من جهة، وليس أمام جدول وُضع في غرفة مغلقة. لكن السؤال يبدأ عند الأرقام.
بحسب الجدول الذي بين أيدينا، تظهر تفاوتات كبيرة بين نسب الزيادة على الراتب ونسب الزيادة على الدرجة: 4.40 في المئة على الراتب مقابل 140 في المئة على الدرجة، و12.50 في المئة مقابل 140 في المئة، فيما تظهر في حالات أخرى نسب سالبة على الراتب، منها تراجع بنسبة 0.57 في المئة مقابل زيادة 60 في المئة على الدرجة، وصولاً إلى تراجع بنسبة 12.98 في المئة على الراتب مقابل زيادة 60 في المئة على الدرجة. وفي مواضع أخرى من الجدول، تصل نسب الزيادة إلى 118.60 و127.27 و137.35 في المئة.
هذه ليست فروقات بسيطة يمكن تجاوزها بجملة عامة. إذا كانت الأرقام صحيحة وفق الجدول المعتمد، فإنها تحتاج إلى تفسير حسابي وإداري واضح: كيف احتُسبت الزيادات؟ ما هي القاعدة التي ربطت الراتب بالدرجة؟ ولماذا استفادت بعض الدرجات من نسب مرتفعة جداً، فيما بقيت زيادات أخرى محدودة أو سالبة؟ والسؤال الأهم: من أعدّ هذه الحسابات؟ ومن دققها؟ ومن اعتمدها؟
هنا لا يجوز اختزال المسؤولية بشخص واحد، لأن المسار الرسمي، وفق ما أعلنته وزارة الصحة، مرّ عبر موظفي المستشفيات وإداراتها ووزارتي الصحة والمال، ثم مجلس الوزراء والجهات الرقابية والاستشارية المعنية. ولذلك فإن أي مراجعة جدية يجب أن تكشف كامل مسار إعداد الجدول، من أول رقم إلى آخر توقيع.
في خضم هذا المسار، تظهر مسألة أخرى تستحق التدقيق: الهيئة التأسيسية لنقابة عاملي المستشفيات الحكومية. فمع الإشارة إلى أن بعض رؤساء هذه الهيئات التأسيسية هم مستخدمون في المستشفيات الحكومية بصفات وظيفية من الفئة الرابعة، ومنهم، وفق المعطيات المتداولة، خليل كاعين في مستشفى صيدا الحكومي بصفة فني صيانة فئة رابعة، يبرز السؤال: بأي صفة قانونية كان بعضهم يجتمع بوزراء الصحة والمالية والنواب، ويتحدث باسم عدد من المستشفيات الحكومية، ويشارك في مناقشة وإعداد سلسلة الرتب والرواتب؟
فالحق النقابي في الدفاع عن العاملين لا يعني تلقائياً تمثيل المستشفى كمؤسسة عامة أو إداراته ومجالس إدارته. لذلك يبقى السؤال: من كان يمثل المستشفيات رسمياً في هذا الملف؟ وهل كان هناك تفويض قانوني واضح؟ وأين كانت الدولة عندما كان إعداد سلسلة بهذا الحجم يتم بمشاركة أشخاص لا يشغلون مواقع قيادية من إدارية ومالية وفنية في هذه المؤسسات؟
وهنا يجب التفريق بين أمرين: تمثيل العاملين نقابياً، وتمثيل المستشفى كمؤسسة عامة. فالحق النقابي في الدفاع عن الموظفين لا يعني تلقائياً امتلاك الصلاحية لتمثيل إدارات المستشفيات أو التحدث باسم المؤسسات العامة، ما لم يوجد تفويض أو سند قانوني واضح.
ومن هنا السؤال: بأي صفة قانونية شاركت الهيئة في مناقشة جدول يمثل مختلف الفئات والرتب والوظائف في المستشفيات الحكومية؟ وهل كان هناك تفويض رسمي يحدد حدود هذا التمثيل؟ ومن كان يمثل الإدارات وأصحاب الصلاحية المالية والإدارية والفنية القيادية في المستشفيات عندما كانت الجداول قيد الإعداد؟
وهنا نعود إلى الدكتورة رجاء الشريف. فبحسب موقعها الوظيفي في وزارة المالية آنذاك، كانت قد شغلت منصب الرقابة على المؤسسات العامة، في وقت كان فيه فريق وزارة المال مشاركاً في مسار إعداد جداول سلسلة المستشفيات الحكومية، وكانت هي، بحسب المعطيات المطروحة في هذا الملف، في موقع مرتبط بإعداد هذه الجداول.
واليوم، وبعد انتقالها إلى الهيئة الناظمة للاتصالات، استذكر في أذهان المستخدمين المتضررين في هذه المستشفيات مشاركتها في إعداد هذه السلسلة، التي يعتبرون أنها كانت مجحفة بحقهم وأدّت إلى هدر حقوقهم.
فمن يتحمل المسؤولية عن هذا الظلم الذي لحق بحقوق المستخدمين؟ وإذا كانت الدولة قد أعلنت يومها أن الجداول أُعدّت بالتعاون بين موظفي المستشفيات وإداراتها ووزارتي الصحة والمال، وبعد مسار شمل مجلس الوزراء ومجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة، فلماذا بقيت الأسئلة حول التطبيق والأرقام من دون جواب واضح حتى اليوم؟ وهل يمكن اعتبار تعيينها اليوم عضواً متفرغاً في الهيئة الناظمة، بمخصصات تقارب سبعة آلاف دولار شهرياً، مكافأة على عمل سابق لها في وزارة المالية على هدر حقوق أصحاب الحقوق؟
من حق المستخدمين أن يطرحوا الأسئلة حول الملفات التي يعتبرون أن حقوقهم المالية تضررت بسببها، وأن يطالبوا بتفسير الأرقام والمستندات التي بُنيت عليها السلسلة. فإذا كانت سلسلة المستشفيات الحكومية صحيحة، فلتُشرح طريقة احتسابها. وإذا كان فيها خلل، فليُحدد مصدره. وإذا كانت المسؤولية مشتركة بين أكثر من جهة، فلتُحدد مسؤولية كل جهة، وتُعاد الفروقات المستحقة للمستخدمين. أما أن تبقى الأرقام بلا تفسير، والمسؤوليات بلا تحديد، والحقوق معلقة، ثم ننتقل إلى الحديث عن ترقيات وتعيينات ومواقع جديدة، فهذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح علناً.
المستشفى الحكومي ليس ملكاً لأحد. والمطلوب اليوم ليس معاقبة موظف لمجرد أنه شغل منصباً، ولا مهاجمة مدير لمجرد أنه مدير. المطلوب أبسط من ذلك وأصعب في الوقت نفسه: تطبيق القانون على الجميع.
الموظف يأخذ حقه وفق القانون، والجهة التي أعدّت الجداول تشرح أسسها، والجهات التي دققت ووافقت عليها تكشف آراءها وملاحظاتها، والجهات المسؤولة عن التطبيق تتحمل مسؤوليتها. فالمال العام ليس ملكاً لأحد، وحقوق مستخدمي المستشفيات الحكومية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، وأي سلسلة رواتب يجب أن تكون قابلة للفهم والتدقيق والمساءلة. ومديرو المستشفيات يجب أن يكونوا أيضاً تحت القانون.
والغريب أن المديرين العامين ومديري المستشفيات الحكومية، الذين تضررت حقوقهم أيضاً من تطبيق هذه السلسلة، لم نسمع منهم موقفاً واضحاً حول الفوارق التي أصابت رواتبهم ودرجاتهم. فكيف يسكت من تضرر من سلسلة يفترض أن تكون عادلة وموحّدة؟
وهنا تبرز مفارقة أخرى: إذا كان بعض المديرين يقومون بأعمال طبية مأجورة داخل المستشفى، رغم النص الذي يفرض عليهم التفرغ للعمل الإداري ويمنع العمل الطبي المأجور، فبأي سند قانوني تُدفع لهم هذه الأتعاب؟ وهل تكفي استثناءات أو موافقات صادرة عن بعض وزراء الصحة المتعاقبين لتعطيل نص قانوني أو مرسوم نافذ؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه المدفوعات؟
وفي المقابل، يُطلب من الموظف أن يقبل بسلسلة يرى فيها فروقات تمسّ حقوقه. لذلك، المطلوب من وزارة المالية ومجلس الوزراء إعادة النظر في سلسلة المستشفيات الحكومية، ومقارنتها بالسلسلة المطبقة على الإدارات العامة، وتفسير الفوارق في نسب الزيادة بين السلسلتين، خصوصاً أن القانون رقم 46/2017 وضع الإطار العام لرفع الرواتب والأجور وحدد آليات ومراسيم تطبيقه على الإدارات والمؤسسات العامة.
فإذا كانت السلسلتان تستندان إلى القانون نفسه، فلماذا هذا التفاوت الكبير؟ وأين العدالة بين موظف وآخر يعمل في القطاع العام؟ وانطلاقاً من ذلك، يوضع هذا الملف برسم رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، مع المطالبة بإعادة النظر في وضع الدكتورة رجاء الشريف داخل الهيئة المنظمة للاتصالات، وإخضاع ظروف تعيينها ومسار ترقيتها للمراجعة الإدارية والقانونية اللازمة.
ويُطلب كذلك فتح مراجعة جدية لآلية احتساب سلسلة رواتب العاملين في المستشفيات الحكومية، وتصحيح أي خلل يثبت وجوده، وإعادة الفروقات والحقوق إلى مستحقيها، فضلاً عن تحديد المسؤوليات المترتبة على الأرقام التي اعتُمدت والنتائج التي نجمت عنها. فالمحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند الأرقام الخاطئة أو المختلة، إنما يجب أن تشمل أيضاً من وضع هذه الأرقام، ومن دققها، ومن وافق عليها، ومن سمح باستمرار آثارها من دون تصحيح.
وفي ضوء هذا المسار، يحق لنا أن نسأل: إذا لم تجرِ المحاسبة عن الخلل الذي أصاب حقوق الموظفين، فما الذي برّر الانتقال إلى الفئة الأولى، والوضع خارج الملاك، ثم التعيين في هيئة ناظمة بمخصصات مرتفعة؟ وبعبارة أكثر وضوحاً: «رجاء الشريف… مكافأة على شو؟».

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
