غاب الشعر، وغابت القصة، وغابت الرواية، وغاب معها ذلك الزمن الذي كانت فيه للكلمة قيمة، وللجملة موسيقى، وللشاعر مكانة، وللأديب حضور.
أحيانًا، أتخيل أن قبور عمالقة الزمن الجميل انفتحت ذات مساء، فخرج منها نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ويحيى حقي، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، والعقاد، ونزار قباني، وأمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الأبنودي، وغيرهم، ثم جلسوا يقرأون ما يُقدَّم اليوم باسم الأدب والشعر والرواية.
ربما قرأوا في صمت. وربما نظر بعضهم إلى بعض من دون كلمة. ثم عادوا إلى قبورهم. ليس لأنهم يكرهون الحياة، ولكن لأنهم ربما لم يجدوا فيها الكلمة التي عرفوها وأخلصوا لها.
كنت أستمع إلى فايزة أحمد، وهي تغني من كلمات نزار قباني وألحان محمد سلطان، وأتوقف أمام ذلك النوع من الشعر الغنائي الذي كان يحوّل الألم إلى صورة، والحب إلى حكاية، والفراق إلى موسيقى.
ومن أجمل ما بقي في الذاكرة ذلك التصوير الشعري الذي يجعل الفراق وقوفًا على جسر من الدموع، ويحوّل البكاء من عتاب للآخر إلى حزن عليه. كلمات قليلة، لكنها تحمل وراءها مساحة واسعة من الحزن.
وهنا تظهر قيمة الشعر الغنائي الحقيقي؛ فهو ليس كلمات توضع فوق لحن، وإنما حالة إنسانية تبدأ من الشاعر، ثم يحتضنها الملحن، ويمنحها المطرب حياة جديدة.
كان الشاعر يعرف كيف يقول الكثير بالقليل، وكيف يحوّل لحظة شخصية إلى إحساس يشعر به الملايين. وكان الملحن يعرف كيف يترك للكلمة مساحتها. وكان المطرب لا يغني الكلمات فقط، وإنما يعيشها. ولهذا بقيت أغنيات الزمن الجميل بعد رحيل أصحابها.
لم تكن أغنيات للاستهلاك السريع. كانت جزءًا من الذاكرة. ومن هنا تبدأ الحكاية الأكثر حزنًا.
نحن لا نعيش أزمة في الشعر أو الرواية أو القصة فحسب، بل نعيش زمنًا من الفراغ الفكري والثقافي، فتح الباب أمام من هبّ ودبّ لكي يكتب في الأدب والشعر، ويقدّم نفسه، أحيانًا، بوصفه شاعرًا أو روائيًا أو ناقدًا، من دون أن يمر بالرحلة الطويلة التي كانت تصنع الكاتب الحقيقي.
أصبح الانتشار، أحيانًا، بديلًا من القيمة. وعدد المتابعين بديلًا من الموهبة. والتصفيق بديلًا من النقد. وأصبح من الممكن أن يولد الكاتب على شاشة هاتف قبل أن يولد في كتاب.
المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالوسيلة لا تصنع الرداءة، كما لا تصنع الإبداع. المشكلة تكمن في غياب المعايير، وفي تراجع القراءة والنقد الحقيقي، وفي تحوّل الشهرة إلى معيار سريع للحكم على النص.
كان نجيب محفوظ يعرف أن الرواية ليست مجرد حكاية. وكان يوسف إدريس يرى الإنسان خلف الحدث. وكان يحيى حقي يعرف كيف يمنح اللغة البسيطة عمقًا كبيرًا. وكان نزار قباني يعرف كيف يجعل الحب شعرًا. وكان أمل دنقل يرى في القصيدة موقفًا وذاكرة. وكان الأبنودي قادرًا على أن يجعل العامية المصرية تحمل هموم الناس وذاكرتهم.
لم يكونوا مجرد أسماء في كتب الأدب. كانوا مدرسة في احترام الكلمة. ولهذا بقيت أعمالهم؛ لأن الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل لحظة عابرة، وإنما يكتب وهو يعرف أن القارئ ليس مجرد متلقٍّ، وأن الكلمة مسؤولية، وأن النص الضعيف لا يصبح قويًا بكثرة التصفيق.
المأساة اليوم ليست في أن جيلًا جديدًا قد جاء؛ فالجيل الجديد من حقه أن يكتب، وأن يجرّب، وأن يبحث عن لغته الخاصة. لكن المأساة تكمن في أن الذائقة نفسها أصبحت مهددة. نقرأ كثيرًا، ونقرأ قليلًا. نرى آلاف النصوص، ولا يبقى منها في الذاكرة إلا القليل. تنتشر الكلمات بسرعة، لكنها تموت بالسرعة نفسها. أما النص الحقيقي، فقد يحتاج إلى سنوات حتى يجد طريقه إلى الناس.
وربما لهذا أشعر بالحزن كلما عدت إلى أغنيات الزمن الجميل. حين أسمع فايزة أحمد تغني كلمات نزار قباني، لا أشعر بأنني أستمع إلى أغنية قديمة فحسب. أشعر بأنني أستمع إلى زمن كامل. زمن كان الشاعر فيه يخاف على كلمته. والملحن يبحث عن روحها. والمطرب يحملها إلى الناس.
كان للأغنية معنى. وللشعر هيبة. وللكاتب مسؤولية. وللقارئ ذائقة. أما اليوم، فقد أصبحنا نبحث، وسط هذا الضجيج، عن قصيدة تشبه قصائد الأمس، وعن رواية تجعلنا ننسى أننا نقرأ، وعن كاتب يجعلنا نشعر بأن الكلمة ما زالت قادرة على أن تفعل شيئًا في أرواحنا.
لذلك، لا أريد أن يعود عمالقة الزمن الجميل من قبورهم. أريد فقط أن يعود شيء من زمنهم إلينا. شيء من احترام الكلمة. وشيء من الخوف من الرداءة. وشيء من الإخلاص للأدب. فالأموات لا يحتاجون إلى أن يعودوا.
نحن الذين نحتاج إلى أن نعود إليهم. نعود إلى كتبهم وقصائدهم ورواياتهم وأغنياتهم، لعلنا نكتشف أن المشكلة لم تكن في أن الزمن تغير، بل في أننا فقدنا شيئًا من قدرتنا على تذوق الجمال. والكلمة الحقيقية لا تموت، لكنها تحتاج دائمًا إلى من يحترمها.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
