قبل وضع أي خطة إصلاحية، لا بد من تشخيص الواقع القائم والإضاءة على أبرز المشكلات التي تعيق تعافي الاقتصاد اللبناني.
فقد خلّفت الحرب دمارًا واسعًا في الجنوب وأجزاء من بيروت، حيث تعرضت مناطق عديدة لخسائر جسيمة في البنية التحتية، والمنازل، والمؤسسات. كما أدى النزوح الجماعي لسكان تلك المناطق إلى ارتفاع معدلات البطالة، وإلحاق خسائر كبيرة بالقطاع الخاص، في وقت كان الاقتصاد اللبناني يعاني أساسًا أزمة غير مسبوقة منذ سنوات.
وقد ساهم هذا الواقع في تسارع هجرة المستثمرين، ورؤوس الأموال، والكفاءات، ما أدى إلى تراجع الاستثمارات والإنتاج، وارتفاع الدين العام، وإضعاف مؤسسات الدولة والإدارات العامة التي أنهكتها سنوات من الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة، إلى جانب ما شهده القطاع المصرفي من انهيار كبير.
ومن هنا، فإن إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية لا تكفيان وحدهما لتحقيق التعافي الاقتصادي، ما لم تترافقا مع إصلاحات هيكلية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة ومتينة.
ولا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة من دون مكافحة الفساد، بدءًا من أصغر إدارة وصولًا إلى أعلى مستويات السلطة. ويتطلب ذلك قضاءً مستقلًا، وإصلاحًا للإدارة العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي شكّل، لعقود، إحدى أبرز ركائز الاقتصاد اللبناني، ومصدرًا رئيسيًا لاستقطاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، إلى جانب تحديث القوانين بما يحمي الاستثمارات ويعيد الثقة إلى المواطنين والمستثمرين.
وإلى جانب الإصلاحات، لا بد من دعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، الذي يشكل أحد أبرز معوقات النمو الاقتصادي. فإصلاح هذا القطاع، من خلال إشراك القطاع الخاص، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية، يُعد شرطًا أساسيًا لتمكين مختلف القطاعات الإنتاجية من النهوض والمنافسة.
فما هي القطاعات التي يمكن أن تشكل ركيزة للنهوض الاقتصادي؟
أولًا: الزراعة
يشكل القطاع الزراعي ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني إذا ما أُحسن استثماره. ويتطلب ذلك دعم الصناعات الغذائية التي يمتلك لبنان فيها ميزات تنافسية، وتطوير الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، ومنها زراعة القنب الهندي للاستخدامات الطبية ضمن إطار قانوني واضح، إلى جانب تطوير قطاع التبغ الذي يشتهر بجودة إنتاجه ويحظى بسمعة متميزة على المستوى العالمي.
ثانيًا: الصناعة
يحتاج لبنان إلى دعم الصناعات التكنولوجية والرقمية، مستفيدًا من الكفاءات الشبابية التي أثبتت نجاحها في لبنان والمنطقة والعالم، إلى جانب تشجيع الابتكار، وربط البحث العلمي باحتياجات السوق، وتحفيز ريادة الأعمال.
ثالثًا: السياحة
لطالما شكّل القطاع السياحي رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ يمتلك لبنان مقومات سياحية متنوعة تشمل السياحة الثقافية، والدينية، والطبية، والتربوية، والبيئية.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن الاستثمار في السياحة كان أحد أبرز محركات التعافي الاقتصادي بعد الحروب والأزمات. ولعل التجربة التركية تُعد من أقرب الأمثلة إلى لبنان، حيث ساهم هذا القطاع في خلق فرص عمل، وزيادة الإيرادات بالعملة الأجنبية، وتحريك مختلف القطاعات الاقتصادية المرتبطة به.
إن النهوض الاقتصادي في لبنان بعد الحرب لا يرتبط فقط بإعادة بناء ما تهدّم، بل بإعادة بناء الدولة نفسها ومؤسساتها.
ويبدأ ذلك، أولًا وأخيرًا، بتوافر الإرادة السياسية، وترسيخ الاستقرار الأمني، وإطلاق ورشة إصلاح حقيقية وشاملة.
فالأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست الأولى، ونأمل أن تكون الأخيرة. وقد أثبت لبنان، عبر العقود، أنه ليس بلدًا فقيرًا بالموارد أو بالطاقات البشرية، بل دولة أعاقها سوء الإدارة، وغياب الرؤية، وضعف الإرادة السياسية الإصلاحية.

أوديت ضو الأسمر
إعلامية وناشطة سياسية
