من حق المواطن اللبناني أن يشتكي من ارتفاع أسعار اشتراكات المولدات الكهربائية، ومن حقه أن يسأل عن أسباب ارتفاع الفاتورة التي أصبحت جزءاً ثابتاً من ميزانية كل عائلة لبنانية. لكن قبل أن نوجّه أصابع الاتهام إلى أصحاب المولدات، ربما علينا أن نطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المولد الخاص ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؟
منذ سنوات، يعيش اللبناني على وعود إصلاح قطاع الكهرباء، وعلى خطط ومشاريع وموازنات ووعود متكررة لم تنجح في بناء قطاع كهرباء مستدام يؤمّن التيار للمواطن. وفي المقابل، نشأت منظومة المولدات الخاصة وترسخت حتى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية والاقتصاد اللبناني.
وهنا تبدأ مسؤولية المواطن قبل مسؤولية صاحب المولد.
فالمسؤول الذي يفشل في تأمين الكهرباء، ثم يحصل على صوت المواطن في كل انتخابات، لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية. والسياسي الذي يدخل الدولة من باب خدمة الناس ثم يحوّل السلطة إلى وسيلة لحماية مصالحه الخاصة، لا يمكن أن نتوقع منه أن يبني دولة تكون فيها مصلحة المواطن فوق مصلحته السياسية والاقتصادية.
عندما تنتخب الفاسد، فأنت لا تنتخب شخصاً فقط؛ أنت تنتخب المنظومة التي ستدفع ثمنها لاحقاً. تدفع ثمنها في الكهرباء، وفي المياه، وفي الطبابة، وفي التعليم، وفي الضرائب، وفي كل خدمة يفترض أن تكون من حقوقك كمواطن.
المفارقة أن المواطن اللبناني قد يقضي ساعات في انتقاد السياسي الذي أوصله إلى هذه الأزمات، ثم يعود في الانتخابات ليمنحه صوته من جديد، إما بسبب الولاء السياسي أو الطائفي أو العائلي أو بسبب خدمات صغيرة يقدمها له مقابل حق عام هو أصلاً من واجبات الدولة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تقول: «زعيمي يؤمّن لي خدمة، لذلك سأنتخبه»، ثم نشتكي من أن الدولة غائبة.
الدولة لا تُبنى بالخدمات الشخصية، بل بالمؤسسات والقوانين والمحاسبة.
لذلك، نعم، من حق اللبناني أن يشتكي من فاتورة المولد. لكن من حقنا أيضاً أن نسأله: ماذا فعلت في صندوق الاقتراع؟ هل اخترت من وعدك بدولة؟ أم اخترت من وعدك بخدمة شخصية؟ هل حاسبت من فشل؟ أم دافعت عنه لأنه من جماعتك؟ هل انتخبت على أساس البرنامج والكفاءة والنزاهة؟ أم على أساس الزعامة والانتماء والمحاصصة؟
المشكلة في لبنان ليست فقط أن المولدات غالية، بل أن المواطن اعتاد أن يدفع ثمن غياب الدولة، ثم ينسى في كل مرة أن يسأل: من المسؤول عن غيابها؟ فالسياسي الفاسد يحتاج إلى بيئة تسمح له بالبقاء، وهذه البيئة لا يصنعها السياسي وحده. يصنعها أيضاً المواطن عندما يمنحه صوته، ثم يطلب منه في المقابل أن يحاسبه.
لا يمكن أن ننتخب الفساد صباحاً ونشتكي من نتائجه مساءً. وإذا أردنا فعلاً أن تنخفض فاتورة المولد، وأن تعود الكهرباء إلى كنف الدولة، وأن تنتهي اقتصاديات الخدمات البديلة، فعلينا أن نبدأ من المكان الصحيح: من صندوق الاقتراع.
هناك تحديداً يبدأ الإصلاح الحقيقي. فالمواطن لا يدفع فاتورة الكهرباء فقط؛ إنه يدفع أيضاً فاتورة خياراته السياسية.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
