كل العيون على تلة «عليّ الطاهر»… لكن أين تتحرك اليد الإسرائيلية الأخرى؟

لا يحتاج الساحر إلى قدرات خارقة كي يخدع جمهوره، بل إلى براعة في التحكّم بانتباهه. فيعمد إلى تحريك إحدى يديه في اتجاه معيّن لتتجه إليها العيون، فيما تُنفَّذ الحركة الحقيقية باليد الأخرى، في مكان بعيد عن المراقبة. وفي عالم الحروب والاستراتيجيات، لا تختلف القاعدة كثيراً؛ إذ يقوم الخداع العسكري، في جوهره، على توجيه أنظار الخصم نحو ما تريد منه أن يراه، وإشغاله بتهديد ظاهر، بينما تتحرك الخطة الحقيقية بهدوء في اتجاه آخر.

من هذه الزاوية، يطرح التصعيد حول تلة «عليّ الطاهر» سؤالاً استراتيجياً يستحق التوقف عنده: هل تمثّل التلة الهدف الحقيقي والمباشر للتحركات الإسرائيلية، أم أنها تحوّلت أيضاً إلى مركز جذب عسكري وإعلامي يستحوذ على اهتمام الجميع، فيما قد تتحرك خطط أخرى في مناطق مختلفة، وبأهداف تتجاوز حدودها الجغرافية؟

لا شك في أن تلة «عليّ الطاهر» تتمتع بأهمية عسكرية وجغرافية تجعلها نقطة ذات قيمة في أي حسابات ميدانية. لكن التركيز الإسرائيلي المكثف عليها، وما يرافقه من ضجيج عسكري وإعلامي، يجب أن يدفع إلى التفكير في ما يتجاوز المعركة الظاهرة. فالتاريخ العسكري يثبت أن العمليات الكبرى لا تُنفَّذ دائماً من دون تمهيد، وأن التضليل والتمويه وإشغال الخصم تشكّل، في أحيان كثيرة، جزءاً أساسياً من التخطيط العسكري. ومن أهم الاحتمالات التي يجب التفكير فيها:

  • أن يتجاوز التركيز المباشر على التلة حدودها الميدانية، ليشكّل تكتيكاً يهدف إلى التغطية على مخططات أكبر، تشمل تجريف الأرض لمحو هوية سكانها الأصليين وفرض تغيير ديموغرافي. وقد يُستغل هذا التشتيت لإعادة التموضع العسكري وتعزيز قدرات المراقبة بعيداً عن الرصد، إلى جانب اختبار ردود الفعل السياسية والميدانية، وقياس مدى إمكان فرض وقائع جديدة من دون الخوض في مواجهة مفتوحة.
  • أن يرتبط هذا التصعيد بالعمل الاستخباري؛ فالتصعيد العسكري العلني قد يشكّل ستاراً مناسباً لتكثيف عمليات جمع المعلومات ورصد الاتصالات والتحركات العسكرية في مناطق أخرى. وفي الحروب الحديثة، تسبق العملية العسكرية مرحلة طويلة من الاستطلاع وبناء بنك الأهداف، وقد يكون الضجيج في مكان معيّن وسيلة لإخفاء الصمت الذي يسبق حدثاً في مكان آخر.
  • أن تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب لبنان؛ فقد لا يكون الهدف السيطرة على تلة أو تدمير موقع بعينه، بل اختبار معادلات الرد وقياس قدرة الجانب المقابل على التعامل مع سلسلة من الضغوط المتزامنة. فالاستراتيجية قد تقوم على فرض خطوات صغيرة ومتتالية، بحيث تبدو كل خطوة منفصلة عن سابقاتها، بينما تشكّل، في مجموعها، تحوّلاً تدريجياً في قواعد الاشتباك والواقع الميداني.
  • أن يكون إبقاء الرأي العام اللبناني في حالة ترقّب دائم، وتحويل منطقة واحدة إلى محور للأخبار والنقاشات، جزءاً من حرب استنزاف معنوية. فالخوف من «الحدث الكبير»، كما مهّدت له وسائل إعلام العدو، قد يتحوّل، في حد ذاته، إلى أداة ضغط، خصوصاً عندما يعيش المجتمع في حالة انتظار مستمر لمعرفة أين ستقع الضربة التالية ومتى.
  • أن يكون الهدف استدراج رد عسكري معيّن انطلاقاً من تلة «عليّ الطاهر»، لاستخدامه لاحقاً ذريعة لتوسيع نطاق العمليات. فالحروب كثيراً ما تبدأ بحوادث محدودة، ثم تتطور عبر سلسلة من الردود المتبادلة التي تمنح كل طرف مبررات للانتقال إلى مرحلة جديدة.

لهذا، لا ينبغي التقليل من أهمية تلة «عليّ الطاهر»، لكن الخطر يكمن في اختزال المشهد العسكري برمّته فيها. ففي الاستراتيجية العسكرية، لا تكمن المشكلة فقط في ما يفعله العدو أمامك، بل أيضاً في ما يمكن أن يفعله بينما تكون منشغلاً بمراقبته. وقد تكون المعركة الظاهرة هي المعركة الحقيقية فعلاً، لكنها قد تكون أيضاً جزءاً من مشهد أوسع، تتداخل فيه التحركات العسكرية والاستخبارية والسياسية والنفسية.

من هنا، تصبح اليقظة ضرورة وطنية واستراتيجية. واليقظة لا تعني الهلع، ولا الاستسلام للشائعات، ولا المبالغة في تفسير كل حركة، بل تعني قراءة المشهد كاملاً، وعدم السماح للضجيج الإعلامي بأن يحجب ما يجري في الخلفية. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالمعلومات والخداع والتمويه وإدارة الانتباه، وبإجبار الخصم على النظر إلى المكان الذي يختاره الطرف الآخر.

وتماماً كما في خدعة الساحر، قد تكون اليد التي نراها تتحرك أمامنا مهمة فعلاً، لكن السؤال الأخطر هو: ماذا تفعل اليد الأخرى بينما تتجه كل العيون نحو تلة «عليّ الطاهر»؟

ففي الحروب، لا تأتي المفاجأة دائماً من المكان الذي تركّز عليه وسائل الإعلام، بل قد تأتي من الاتجاه الذي لم يلتفت إليه أحد. ولذلك، فإن اليقظة الحقيقية تبدأ عندما نتعلّم ألّا ننظر فقط إلى ما يريد العدو أن نراه، بل إلى ما قد يحدث، في اللحظة نفسها، بعيداً عن الأنظار. فاليقظة ليست انتظار المفاجأة، بل محاولة اكتشافها قبل أن تصبح واقعاً.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.