لم تكن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر ترمي إلى إقحام مصر في تدخل عسكري إلى جانب المملكة ضد الحوثيين، بعد سيطرتهم على مواقع حاكمة في باب المندب. قد يبدو الأمر كذلك لأصحاب النظرات السريعة، بعدما رأوا في الزيارة استدارةً من الشقيقة الأهم نحو الشقيقة الأكبر، إثر صدّ الولايات المتحدة للمملكة، وسعيها، كما قلنا، إلى توريط الآخرين في مستنقع مغامراتها، الذي أعدّت لضمان استمراره إمداداً استخباراتياً قلنا عنه مراراً: إنه في واد، والميدان في واد آخر.
بالتأكيد، تعلم السعودية أن الجانب المصري لن يسارع إلى شن حملة عسكرية يهدف من ورائها إلى صيانة مصالحه الوطنية المتعلقة بقناة السويس، ولن يضع حتى احتمال تنفيذ عملية عسكرية محدودة على طاولة الحلول، إلا في الحالة التي قد يُجر إليها عنوة. لكن جرّه إلى ذلك لن يكون بسيطاً، ولا سيما بعد اختبار ضرب ميناء دمياط.
ما تراه عسكريتنا هو أن عملاً مسلحاً من جانب مصر لن تكون نتائجه محمودة، على الرغم من القوة المصرية. غير أن حسابات العسكرة، التي تحكمها في الوقت الراهن سياسة التحرك والسكون الدولية، فرضت على السعودية تعديلاً في رؤيتها وتكتيكها، والانتقال من السير في اتجاه مواز لاستيعاب الحركات الإسلامية من داخل معاقلها، إلى الاستفادة من التجربة المصرية التي اعتمدت دولتها الحديثة نهج المواجهة مع هذه الحركات.
ولم تكن هذه العقيدة السعودية الجديدة وليدة ليلة وضحاها، بل نشأت بعدما وصلت السعودية إلى مرحلة إدراك ضعف جدوى أحلافها، وتراجع آمالها في صد أي اعتداء قبل وقوعه بقوة تحالفها الأخير، نتيجة رهبة لدى العدو يبدو أنها لم تولد أصلاً.
وهذه الرهبة القليلة الدسم لدى العدو لم تكن تهمة ألقتها السعودية عبثاً، بل دفعتها إلى البحث في خلفيات مدّ يدها إلى داعمي الحركات الإسلامية؛ أولئك الذين انقلبوا على آمال السعودية في إعفائها من الصدام مع حلفائهم أو المحسوبين عليهم، بعدما ركبوا موجة استغلال المواقف لمصلحة الاستدارة نحو مساومة أطراف كانت السعودية تريد الاستغناء عن خدماتها.
ولن يكون هذا التغير في النظرة السعودية سهل التمرير. فثمة محاذير كثيرة لا تنسجم مع ضرورة التراجع السريع عن التباين في النظرة بين السعودية ومصر من جهة، ومع علاقة مصر بمحيطها، ولا سيما بتركيا وما تدعمه من حركات، من جهة ثانية، فضلاً عن علاقة السعودية بتركيا وباكستان. ويبدو أن السعودية أرادت لمصر أن تحل محل هاتين الدولتين، وقد تكون الطريقة من خلال ضمها إلى حلف مكة، أو عبر اتفاق مستقل.
الأمر ليس سهلاً؛ فالحل، بحسب هذه الجهات، لن يكون عسكرياً في جميع الأحوال، كما أن الفارق بين توجهات كل منها ليس قليلاً. لكن الأحداث التي دفعت السعودية إلى تغيير استراتيجية تعاملها مع الحركات الإسلامية لن تُحل إلا عسكرياً. ولهذا نقول: إن الحل لن يكون إلا عسكرياً، لكن السؤال يبقى: مَن، ومتى، وكيف؟
ويكتسب هذا السؤال أهميةً خاصة مع نفاد صبر السعودية من تقديم الدعم المالي والسياسي إلى دول وشرعيات وجماعات ومشاريع أثبتت فشلها.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
