تكشف التطورات التي رافقت اتفاقات أبراهام خلال السنوات الست الماضية عن انتقال تدريجي من مجرّد تطبيع العلاقات السياسية إلى بناء روابط أمنية ودفاعية يمكن أن يكون لها تأثير طويل الأمد في توازنات الشرق الأوسط. فقد بات التعاون بين إسرائيل والإمارات، خصوصاً، يتجاوز صفقات السلاح التقليدية إلى مجالات أكثر حساسية، تشمل الدفاع الجوي، ومواجهة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، بما يشير إلى نشوء نمط جديد من الشراكات الأمنية يقوم على تبادل التكنولوجيا والخبرات والاستثمار، وليس فقط على شراء المنظومات العسكرية.
وقد سرّعت الهجمات الإيرانية التي تعرّضت لها دولة الإمارات خلال عام 2026 هذا المسار، بعدما أظهرت قدرة الصواريخ والطائرات المسيّرة على اجتياز مسافات بعيدة وتهديد البنى التحتية الحيوية. ووفق المعطيات المتوافرة، شملت المساعدة الإسرائيلية للإمارات نشر قدرات للدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات، إلى جانب تبادل المعلومات المتعلقة بالهجمات الصاروخية. وإذا استمرّت هذه الترتيبات، فإن أهميتها لا تكمن فقط في المنظومات التي نُشرت، بل أيضاً في اختبار نموذج من التنسيق العملياتي يمكن أن يتطوّر مستقبلاً إلى شبكة دفاعية أكثر ترابطاً.
ويتمثّل التحوّل الأعمق في أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تعد تتعامل مع إسرائيل باعتبارها مورّداً للسلاح فحسب، بل بدأت تتحوّل إلى شريك في تطوير التكنولوجيا الدفاعية والاستثمار فيها. فالتعاون بين مجموعة «إيدج» (EDGE)، المتخصصة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة والمملوكة لحكومة أبوظبي، وشركات إسرائيلية في مجالات الاستشعار والأنظمة الكهرو_بصرية والمسيّرات والأمن السيبراني، يعكس اتجاهاً نحو بناء قاعدة صناعية مشتركة أو متكاملة إلى حدّ ما. وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا النموذج في أنه يقلّل الاعتماد على العلاقة التقليدية بين المنتِج والمشتري، ويخلق مصالح مؤسسية وشبكات تقنية قد يصبح تفكيكها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وفي المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا المسار في توسيع أسواق صناعاتها الدفاعية وتعميق حضورها التكنولوجي في الخليج، بينما تحصل الإمارات على إمكانية الوصول إلى تقنيات متقدمة وتطوير قدراتها الذاتية. وهنا تتحوّل الصناعات الدفاعية إلى أداة نفوذ جيوسياسي؛ فالدولة التي تمتلك التكنولوجيا والمعرفة وسلاسل الصيانة والتطوير لا تبيع السلاح فقط، بل تنشئ ارتباطاً طويل الأمد مع مستخدميه.
ويكتسب هذا التطوّر أهمية أكبر بسبب طبيعة التهديدات الجديدة في المنطقة. فالصراع لم يعد يعتمد حصراً على الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية، بل بات يشمل المسيّرات والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية وأنظمة الاستطلاع المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ولذلك، تتجه دول المنطقة إلى بناء طبقات دفاعية متكاملة تستطيع اكتشاف التهديد وتعقّبه واعتراضه قبل وصوله إلى أهدافه. ومن هذه الزاوية، يصبح التعاون الإسرائيلي–الإماراتي جزءاً من تحوّل أوسع في مفهوم الأمن الخليجي.
لكن هذا المسار لا يبدو موحّداً لدى جميع الدول. فمستويات التعاون مع إسرائيل تختلف بين الإمارات والمغرب والبحرين، كما أن بعض الصفقات والتفاهمات المتداولة لا تزال تستند إلى تقارير إعلامية أو معلومات لم تتأكّد بالكامل. لذلك، ينبغي عدم التعامل مع جميع هذه التطورات باعتبارها دليلاً على قيام تحالف عسكري متكامل.
والأهم أن هذه التحوّلات تتزامن مع نشوء مسارات دفاعية أخرى، أبرزها تنامي التعاون السعودي–التركي والروابط مع باكستان، في مقابل تنامي الشراكة الإماراتية مع إسرائيل والهند. ويمكن أن يؤدّي ذلك، على المدى البعيد، إلى ظهور شبكات أمنية متعدّدة تتقاطع أحياناً وتتباين أحياناً أخرى، بدلاً من نشوء منظومة إقليمية واحدة.
وبذلك، تكمن الدلالة الاستراتيجية الأبرز لاتفاقات أبراهام في أنها قد تكون بصدد تغيير طبيعة المنافسة في الشرق الأوسط، من صراع على النفوذ السياسي إلى منافسة على التكنولوجيا الدفاعية وسلاسل الإنتاج والمعلومات والقدرة على دمج الأنظمة. وإذا استمرّ هذا الاتجاه، فقد يصبح ميزان القوة الإقليمي مرتبطاً بدرجة أكبر بمن يمتلك القدرة على بناء شبكة دفاعية ذكية ومتكاملة، وليس فقط بحجم الترسانة العسكرية التقليدية.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
