الميزان المعلن
يُفتتح مقال «هل صحيح أن سوريا ارتمت في الحضن الأميركي الصهيوني؟» [1]، الذي كتبه الدكتور أحمد حوماني، بقصة رجل أحضر كتاباً يتضمّن «كل حسناتي وسيئاتي في هذه الدنيا»، وقال للسلطان إن الحراس «أحضرتم سيئاتي فقط». ويعلن المقال تطبيق هذه القاعدة في صيغة وعد: «وحتى لا نكون ممن يُحضر سيئات الناس ويتناسى حسناتهم فسنسرد بعضاً مما حققه الرئيس الشرع من إنجازات تصب في مصلحة الحفاظ على الدولة السورية، ونعدد السيئات التي يتداولها الإعلاميون والصحفيون خصوصاً في لبنان».
وفي الخاتمة، يقدّم المقال معياراً ثانياً: «الأصعب من أن تأتي بسيئات شخص ما لمحاكمته وتنسى حسناته، هو أن تبني سرديات وقصص وهمية وخيالية لتلصقها بشخص وتحاكمه على أساسها، أو أن تحاكمه على نوايا تفترضها مسبقاً عنه، أو تبني على تصريحات أعداء لك وله». ثم يضيف: «إن المحاكمة السياسية لأي جهة تكون على أفعالها الحاضرة، وليس على ما مضى من تاريخها».
للنص، إذن، ميزان من كفّتين، ومعيار استدلالي يُلزم من يحكم على غيره بنقل ما قاله، وعدم افتراض دوافعه.
البنية الكمية للمتن… عدّ وصفي
قبل الدخول في التحليل النوعي، يفيد العدّ الوصفي في كشف توزيع المساحة والبروز بين كفّتي الميزان. وقد جرى عدّ الكلمات في أربعة أقسام من المتن، باستثناء المقدمة والخاتمة:
- قسم «الإنجازات»: ستة بنود مرقّمة تشغل 219 كلمة، أي ما يعادل نحو 39.5% من مجموع المتن المفحوص.
- قسم «بالمقابل.. ماذا جنت أمريكا من الشرع حتى الساعة؟»: سبعة بنود مرقّمة تشغل 226 كلمة، أي نحو 40.7%.
- فقرة الجيش وموازين القوى: 46 كلمة، من دون ترقيم، أي نحو 8.3%.
- فقرة الأقليات، أو «النقطة السوداء»: 64 كلمة، من دون ترقيم، أي نحو 11.5%.
يبلغ مجموع هذه الأقسام الأربعة 555 كلمة. وتشغل الفقرة التي تتضمّن السيئة الصريحة الوحيدة نحو 11.5% من هذا المجموع، بينما تستأثر الحسنات والردود الدفاعية بـ491 كلمة، أي ما يعادل 88.5% من المتن.
غير أن هذه الأرقام، على دلالتها، لا تكفي وحدها لقياس عدالة المعالجة. فقوائم «الحسنات» ليست جميعها من النوع نفسه؛ بعضها يصف إنجازاً، وبعضها ينفي وقوع حدث، وبعضها يصف علاقة أو موقفاً، وبعضها يردّ على اتهام مفترض. وعبارة «491 كلمة للحسنات والردود الدفاعية» أدقّ من تسميتها جميعاً «حسنات»، لأن القائمة الثانية تتناول، في معظمها، ما لم تحصل عليه الولايات المتحدة، وهذا لا يساوي تلقائياً إنجازاً إيجابياً للشرع. كما أن فقرة قصيرة قد تكون أكثر كثافة من قائمة طويلة، وقد تكون القائمة المرقّمة تكراراً لحجّة واحدة في صور مختلفة.
وعليه، فإن التعديل المنهجي المطلوب هو: الاحتفاظ بالإحصاء بوصفه مؤشراً على توزيع المساحة والبروز، لا حكماً نهائياً على عدالة الميزان. ويكشف العدّ الوصفي تفاوتاً واضحاً بين المساحة المخصّصة للعرض الإيجابي والدفاعي وتلك المخصّصة للمعالجة الصريحة للوقائع السلبية. ولا يكفي هذا التفاوت وحده لإثبات انعدام التوازن، لكنه يبرّر اختبار نوعية البنود، وقوّتها الإثباتية، ودرجة تفصيل كل منها.
خريطة الحسنات والسيئات في النص
يمكن رصد الجهات التي تُنسب إليها الحسنات والسيئات في النص، بالاستناد إلى ألفاظه نفسها:
- تُنسب الحسنات إلى الشرع وقيادته: «ما حققه الرئيس الشرع من إنجازات»، و«استطاع الرئيس السوري إزالة قانون قيصر»، و«القيادة الجديدة فهمت اللعبة»، و«الرئيس السوري رفضها كلها»، و«يُحسب للقيادة السورية». ويبلغ عدد البنود، وفق تصنيف المقال الأصلي، ثلاث عشرة نقطة: ستّاً في قائمة «الإنجازات»، وسبعاً في قائمة «بالمقابل.. ماذا جنت أمريكا من الشرع حتى الساعة؟».
- ترد السيئات المنسوبة إلى منتقدي الشرع بوصفها أفعالاً تتصل بإصدار الأحكام: «يعمّمون»، و«يتناسى»، و«تبني سرديات وقصص وهمية وخيالية»، و«تلصقها»، و«تحاكمه»، و«تفترضها»، فضلاً عن وصف «بعض الحاقدين» الوارد في القصة.
- تُنسب السيئة المعلنة الوحيدة، أي مسألة الأقليات، إلى كيان مجرّد: «النقطة السوداء في سجل الدولة السورية الجديدة». وترد وقائعها، أي «القتل والتهجير»، من دون تحديد فاعل، ثم يُسند الإصلاح إلى الشخص: «يجب على الرئيس السوري تداركه».
- تحضر أطراف أخرى بوصفها جهات تريد ولا تنال، أو ضمن أوصاف محددة: الولايات المتحدة في عبارة «لم يتم السماح لأمريكا»، و«العدو الصهيوني» بوصفه معتدياً، وإيران في سياق علاقة «مقطوعة» وماضٍ غير محدد يُشار إليه بعبارة «ما مضى».
- لا يرد ذكر السلطات اللبنانية مباشرة في المقال. ويَرِد لبنان في ثلاثة مواضع فقط: نطاقاً جغرافياً للإعلاميين، في عبارة «خصوصاً في لبنان»؛ وبلداً تربطه بالشرع «علاقات جيدة»؛ وأحد الجيران الذين «لم تحصل» معهم إشكالات.
وهذه الخريطة وصف لتوزيع الإسناد في الألفاظ، وليست حكماً على المقاصد. وهي تبيّن أن الحسنات تتجمّع لدى جهة واحدة، فيما تتوزّع السيئات بين المنتقدين وكيان مجرّد، وأن ما يتعلق بالسلطات اللبنانية لا يُعالَج بالتسمية المباشرة. وسيجري اختبار أثر ذلك في ما يلي.
إعادة تصنيف البنود الثلاثة عشر
الأدقّ من الاكتفاء بتسمية البنود الثلاثة عشر «حسنات» هو التمييز بين أنواعها المنطقية:
- ستة بنود إنجازية: صُنّفت في المقال ضمن «الإنجازات»، وهي: إزالة قانون قيصر، وتفكيك المشروع الكردي، والحفاظ على هيكل الدولة، واستعادة الثروات النفطية، وإعادة بناء الجيش، وعدم حدوث إشكالات مع الجيران. وترد هذه الإنجازات في ستة بنود مرقّمة تشغل 219 كلمة، تُضاف إليها فقرة الجيش السوري، البالغة 46 كلمة، ليصبح المجموع 265 كلمة، أي نحو 47.7% من المتن.
- سبعة بنود دفاعية: تتناول ما لم تحصل عليه الولايات المتحدة، وتشمل: عدم السماح بإقامة قواعد، وعدم التوقيع، وعدم الاعتراف بإسرائيل، وعدم السماح بالتدخل، واستنكار الاعتداءات، ورفض التدخل في لبنان، وإدارة العلاقة مع إيران من دون عداء مطلق. وترد في قسم «ماذا جنت أمريكا؟»، ضمن سبعة بنود مرقّمة تشغل 226 كلمة، أي نحو 40.7%.
- فقرة الأقليات، أو «النقطة السوداء»: تشغل 64 كلمة، أي نحو 11.5%.
ثم تُفحَص كل وحدة من حيث نوعها المنطقي: أهي فعل إيجابي مثبت، أم نفي لواقعة، أم موقف سياسي، أم استنتاج يحتاج إلى دليل؟ وبهذا تصبح القراءة أكثر دقّة، ويخدم هذا التمييز أطروحتها الأساسية: المقال لا يوازن بين وحدات متجانسة، بل يجمع تحت عنوان الحسنات أفعالاً ونتائج ونفياً لوقائع وتفسيرات سياسية.
تطبيق الميزان على الشرع
تُختبر هنا نقاط من النص حصراً، مع بيان ما أبرزه، وما لم يذكره من معطيات ذات صلة بالنقطة نفسها، وما تقوله المصادر الموثوقة بشأنها.
إزالة قانون قيصر والعقوبات… وماذا جنت أميركا؟
أبرز النص إزالة القانون، وربطها بـ«عودة الكهرباء، والاستثمار، والبنوك..». وصحيح أن الإلغاء أُقرّ ضمن قانون ميزانية الدفاع في كانون الأول 2025[2]، وأن سوريا رُفعت، في 24 آب 2026، عن قائمة الدول الراعية للإرهاب[3].
لكن النص لم يذكر أن الإلغاء مقرون بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس، كل ستة أشهر، على مدى أربع سنوات، بحسب تقارير صحافية[4]. كما لم يذكر قول السيناتورة الأميركية جين شاهين[5] إنه يساعد في مواجهة نفوذ إيران وروسيا «الخبيث»[6].
ولم يتناول النص أيضاً الإخطار والمذكرة الرسمية اللذين وجّههما الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الكونغرس، في 8 تموز/يوليو 2026، معلناً نيّة إدارته إلغاء تصنيف سوريا «دولة راعية للإرهاب»[7].
وفي ما يتعلق بالشروط والالتزامات، أُرفقت المذكرة بتقرير وتعهّدات رسمية تحدّد التزامات الحكومة السورية، وشملت:
- الانضمام إلى جهود مكافحة الإرهاب والتنسيق في إطارها، مثل التحالف ضد تنظيم «داعش».
- إنهاء التعاون مع الفصائل والجماعات المرتبطة بإيران وحزب الله، وتفكيك شبكاتها.
- حظر شبكات التهريب والدعم اللوجستي للإرهاب عبر الحدود وقطعها.
أما آلية إعادة الإدراج (Snapback Mechanism)، فقد تضمّنت المذكرة نصاً صريحاً يتيح للإدارة الأميركية إعادة إدراج سوريا تلقائياً وبسرعة على القائمة، وتفعيل العقوبات في حال عدم الالتزام ببنود التعهّدات، أو رصد أي تقصير خلال فترة الرقابة الدورية.
كذلك، وقّعت الحكومة السورية، في 12 حزيران 2026، تعهّدات بعدم دعم الإرهاب. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عند إلغاء التصنيف، إن الخطوة تمثّل اعترافاً بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية، ومنها الانضمام إلى التحالف، والعمليات ضد «داعش» و«القاعدة» وحزب الله والجماعات المرتبطة بإيران[8].
وكان المبعوث الرئاسي الأميركي وسفير الولايات المتحدة في تركيا، توم باراك، قد أعلن أن دمشق على وشك توقيع رسالة الانضمام إلى التحالف[9]، فيما قال مسؤول رفيع في الإدارة إن سوريا أصبحت العضو التسعين فيه.
ملف إسرائيل في الميزان
تتعلق ثلاثة بنود في القائمة الثانية بإسرائيل: «لم يتم توقيع اتفاق إطار أو تطبيع أو سلام مع العدو الصهيوني»، و«لم يتم الاعتراف بإسرائيل أو التنازل عن الجولان؟ والموقف ثابت ومعلن»، فضلاً عن استنكار وزارة الخارجية الاعتداءات «الصهيونية» وإبلاغ الأمم المتحدة بها.
أما المصادر الموثوقة، فتذكر أن الشرع قال، في مقابلة نقلتها «رويترز» في 26 تموز 2026، إن سوريا تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، وإن ذلك قد يمهّد لسلام شامل من دون التفريط بالحق في الجولان.
ويمكن صياغة الملاحظة على مستوى بناء الحجّة بالقول إن النص يُبرز النفي، أي «لم يتم»، ويُغفل المسار، أي «يسعى». فالادّعاء الذي أراد الردّ عليه، ومفاده أنه «ذاهب للتطبيع والسلام»، صيغ بوصفه اتجاهاً، ولذلك لا تكفي الإجابة عنه بنفي وقوع حدث. فغياب التوقيع في تاريخ كتابة المقال لا ينفي وجود مسار تفاوضي معلن.
الاتفاق الإطاري اللبناني… والحسنة المبنية على عدم التوقيع
أعلن الشرع، في 9 آذار 2026، دعمه جهود الرئيس جوزاف عون في نزع سلاح حزب الله، فيما لا يذكر النص اتفاق الإطار اللبناني ولا السلطات اللبنانية في أي موضع. ولذلك، فإن القراءة التي تربط بند «لم يتم توقيع اتفاق إطار» بالسلطات اللبنانية هي قراءة مقارنة لا تستند إلى ألفاظ النص مباشرة، وتفترض معرفة القارئ بما جرى في بيروت. أما القراءة الأوضح، فهي أن البند يخصّ المسار السوري ـ الإسرائيلي.
وما يُجرى هنا، إذن، هو اختبار لاتساق المعيار الذي يستند إليه البند، بصرف النظر عن القصد:
- إذا كان «عدم التوقيع على اتفاق إطار» يُحتسب حسنة للشرع، فإن المعيار الضمني هو أن التوقيع على اتفاق كهذا موضع مأخذ. وهو معيار يمكن أن يُقاس به أي طرف وقّع، ومنه الجهة اللبنانية التي وقّعت.
- لكن الوقائع الموثّقة تُظهر أن الشرع أعلن تأييده نهج الدولة اللبنانية في نزع السلاح، وهو جوهر المطالب الإسرائيلية. وتُظهر أيضاً أنه يسعى، من جانبه، إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
- والنتيجة أن احتساب عدم التوقيع حسنة للشرع لا يتسق مع تأييده نهج من وقّع، ولا مع سعيه المعلن إلى اتفاق أمني. فإما أن المعيار لا يُطبَّق بالتساوي، وإما أن «عدم التوقيع» وصف زمني لحال قائمة، «حتى الساعة»، وليس موقفاً مبدئياً يصحّ احتسابه حسنة.
ويتصل بذلك ما ورد في بند لبنان: «رفضها كلها»، والمقصود دعوات التدخل العسكري «للقضاء على المقاومة». فالثابت علناً أن الشرع رفض التدخل العسكري المباشر، وأيّد سياسياً مسار الدولة اللبنانية لنزع السلاح. وهذان موقفان قد يجتمعان ولا يتناقضان، لكن النص يعرض الأول بوصفه حسنة، ولا يذكر الثاني.
وعليه، تبدو عبارة «رفضها كلها» أوسع مما يسنده المصدر العلني. كما تتيح الحسنة المذكورة في النص قراءة مقارنة بين من يمتنع ومن يوقّع، يضعفها تأييد الشرع نهج الموقّعين.
ومن حيث البناء الشكلي للميزان، ينسب النص الحسنة إلى الشرع في موقف يوافق فيه عملياً طرفاً يُفترض، وفق القراءة المقارنة، أنه موضع مأخذ، من دون تسمية هذا الطرف أو مناقشة خياره. وما لا يُسمّى لا يُناقَش، وما لا يُناقَش لا تُختبَر حجّته.
والصياغة الموجزة النهائية لهذا الإشكال هي الآتية:
يُدرج المقال في قائمة حسنات الشرع بند «لم يتم توقيع اتفاق إطار أو تطبيع أو سلام مع العدو الصهيوني». وعلى افتراض ترجيح إحالة العبارة إلى اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، المؤرخ في 26 حزيران 2026، فإن احتساب «عدم التوقيع» حسنة يُنتج إيحاءً بأن التوقيع خسارة للموقّع.
غير أن الشرع يعلن تأييده السلطات التي وقّعت، ويساندها في تنفيذ جوهر الاتفاق، أي نزع سلاح حزب الله. وقد صرّح بذلك قبل التوقيع، في 9 آذار 2026، وبعده، في تموز 2026، في إطار تأييد سياسي لا عسكري.
فإذا كان التوقيع خسارة، فإن تأييده ومساندة تنفيذه ينسفان بناء الحسنة على «عدم التوقيع»؛ وإذا كان سيئة، فإن تأييده يُعدّ تأييداً لسيئة.
وحتى لو كان المقصود المسار السوري ـ الإسرائيلي، فإن عدم التوقيع هناك لا يشكّل، في حدّ ذاته، خياراً فاضلاً؛ لأن الاتصالات انقطعت بعد غارة أبو الظهور، في 22 آب 2026، ولأن إسرائيل تتهرّب من التنفيذ، وفق تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
والنتيجة أن «عدم التوقيع» ليس حسنة مستقلة، بل وصف شكلي لموقف يؤيّد فعلياً جوهر ما لم يوقّعه؛ وهو ما يُضعف حجّة المقال في ضوء المعيار الذي رفعه على غيره ولم يلتزم به في معالجته.
المنتقدون في الميزان
يتعامل النص مع منتقدي الشرع بوصفهم جماعة تُنسب إليها السيئات وحدها، ولا يرد في المقال ما يُنسب إليهم من حسنات أو صواب. وتتكرر ثلاثة أنماط: القصة والمماثلة، في عبارة «لعل ما يحدث مع الرئيس السوري… هو من هذا القبيل»؛ والتعميم، باستخدام «الناس» و«الإعلاميون والصحفيون خصوصاً في لبنان»؛ والأفعال المفسدة للحكم، المذكورة آنفاً.
ويصوغ النص الاتهام بعبارة «فبمجرد أن التقى مع ترامب حتى انهالت الاتهامات عليه»، فيقلّل من شأن السبب ويهوّل حجم الردّ، من دون أن ينقل قولاً لأيٍّ من المنتقدين، أو يذكر اسم صحيفة أو صحافي. وهذا يبتعد عن الوعد المعلن بـ«تعديد السيئات التي يتداولها الإعلاميون».
وتُظهر المصادر أن لبعض ما نُسب إلى المنتقدين أساساً يقابله في الوقائع المنشورة، من دون أن يعني ذلك صحة الاتهام. فاتهام «التطبيع والسلام» يقابله قول الشرع نفسه إنه يسعى إلى اتفاق أمني قد يمهّد لسلام شامل، فيما يقابل اتهام «الاستسلام لأمريكا» ما تذكره المذكرة الرئاسية من التزامات وتقارير دورية وإمكان إعادة الإدراج.
فالردّ بعبارة «لم يتم…» يعالج واقعة لم تحدث بعد، ولا يعالج الاتجاه الذي يقوم عليه الاتهام. وبحسب الميزان نفسه، كان يمكن للنص أن يقرّ بأن هذه الوقائع تتضمّن اتجاهاً يستحق النقاش، وأن يردّ على ما يقوله المنتقدون فعلاً، لا على ما يُنسب إليهم.
وفي ضوء المعيار الثاني الذي يعلنه المقال، لا يثبت النص أن المنتقدين بنوا «سرديات وهمية»، لأنه لا ينقل قولًا لأيٍّ منهم. كما أنه يفترض دوافع، باستخدام عبارات مثل «يتناسى» و«تلصقها»، بينما ينهى عن افتراض النوايا، ويستند إلى تصريحات قادة العدو الصهيوني في بند الجيش، بينما ينهى عن البناء على «تصريحات أعداء».
وهكذا، يُطبَّق المعيار في النص على المنتقد أكثر مما يُطبَّق على صاحب الحجّة الموافقة.
العلاقة بإيران
يقول المقال: «صحيح أن العلاقة مع إيران مقطوعة، وتحتاج إلى وقت لإعادة وصل ما انقطع، لكن يحسب للقيادة السورية أنها لم تنجر إلى حالة عداء مطلق، ولم تجعل ما مضى شماعة تعلق عليها أي صعوبات تواجهها، بل تبدو العلاقة في حالة من السكون الذي قد يفتح الباب أمام لعب سوريا لدور كبير في السياسة الإقليمية إذا أحسن الرئيس السوري التقاط هذه الفرصة».
ونبدأ التحليل بالإسناد النحوي:
- «مقطوعة»: اسم مفعول لا يعيّن الجهة التي قطعت العلاقة. وفي عبارة «تحتاج إلى وقت»، يعود الضمير المستتر إلى العلاقة نفسها، فلا يحدّد النص أيّ الطرفين يتولى المبادرة إلى إعادة وصلها.
- «يُحسب للقيادة السورية»: تركيب مبني للمجهول يحدّد الجهة التي يُسجَّل لها الأمر الإيجابي، فيما تبيّن عبارة «لم تنجر إلى حالة عداء مطلق» مضمونه. فالقيمة الإيجابية الصريحة مسندة إلى القيادة.
- «لم تجعل ما مضى شماعة»: الفاعل هو القيادة، لكن «ما مضى» غير محدّد؛ فلا تُذكر وقائع أو مسؤوليات، ولا يُبيَّن دور إيران فيه. وتتيح كلمة «شماعة» فهماً سلبياً لاتخاذ الماضي ذريعة.
- «تبدو العلاقة في حالة من السكون»: يُسند السكون هنا إلى العلاقة، لا إلى إيران وحدها ولا إلى سوريا وحدها. وترتبط الفرصة الإقليمية بالسكون، فيما تُربط الاستفادة منها بأداء الرئيس.
فلا يُسند إلى إيران فعل أو وصف صريح يفسّر القطيعة، وتبقى المسؤولية عنها غير محدّدة في الجملة. ومن الناحية البلاغية، ينتقل البناء من واقعة القطيعة إلى تقويم موقف القيادة منها، ثم إلى استشراف فرصة. ويمنح هذا الترتيب القيادة رصيداً تقويمياً إيجابياً واضحاً، من دون أن يثبت مسؤولية إيران عن القطيعة.
غير أن البناء يتضمّن إيحاءً لا تصريحاً؛ فكلمة «شماعة» تفترض ماضياً يمكن تعليق اللوم عليه، وعبارة «لم تنجر» تفترض وجود ما يجذب نحو العداء.
وتبيّن المقاربات النفسية أثر هذا البناء في القارئ، لا الحالة النفسية للقيادة. فنظرية الإسناد تقرأ الامتناع بوصفه إسناداً داخلياً إيجابياً، أي ضبطاً للنفس، مع إبقاء احتمال توجيه اللوم إلى الخارج. وتقرأ نظرية الهوية الاجتماعية فيه تميّزاً إيجابياً للجماعة، من خلال حسن معاملتها «الآخر» السابق. وترى نظرية التبادل الاجتماعي رصيداً للقيادة ووعداً بمكافأة تتمثل في «دور كبير». أما منظورا التنافر المعرفي والتأطير، فيقرآن قطيعة سلبية يُعاد تقديمها بوصفها مكسباً، بما يخفّف التنافر لدى قارئ يرغب في رؤية القيادة بصورة إيجابية.
وهذه فرضية تتعلق بأثر الصياغة، وليست حكماً على نيّة الكاتب. وتنتفي إذا سمّى النص، في موضع آخر، مسؤولية إيران، أو نفى وجود ما يستوجب اللوم في عبارة «ما مضى».
وفي ضوء المواقف المعلنة، يستدعي وصف «السكون» تدقيقاً. فقد نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا»، في 27 أيلول 2026، عن مستشار الشؤون الأفروآسيوية في وزارة الخارجية السورية، محمد الجفّال، وصفه الموقف السوري من إيران بأنه «نتاج تجربة 14 عاماً من الحرب والقتل والتهجير والدمار»، مع اشتراط احترام السيادة وبناء الثقة لإقامة أي علاقة جديدة.
كما أدان الشرع، في آذار، محاولات إيرانية لزعزعة استقرار العواصم العربية. ولذلك، يصلح «السكون» وصفاً لغياب العلاقات الكاملة، لكنه لا يصلح للإيحاء بغياب المواقف النقدية.
مسألة الأقليات
أبرز النص أن مسألة الأقليات تمثّل «النقطة السوداء في سجل الدولة السورية الجديدة»، وأن ما جرى «وصل إلى حد القتل والتهجير»، وطالب بـ«ابتكار حلول». وهو بذلك لا يتجاهل المسألة، وهذا يُحسب له. لكنه لم يذكر الأعداد أو الفاعلين أو آليات المساءلة.
فقد قدّرت لجنة التحقيق الدولية عدد القتلى في الساحل بنحو 1,400 قتيل، وفي السويداء بأكثر من 1,700 قتيل، فضلاً عن نحو 200 ألف نازح، وقالت إن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية «ربما» ارتُكبت. وذهبت منظمات حقوقية إلى أن أحداث الساحل كانت عملية منسّقة مركزياً. ولا ترد في النص كلمتا «المحاسبة» أو «التحقيق».
وتقتضي الدقّة القول إن النص يثبت وجود القتل والتهجير، لكنه لا يحدّد الفاعلين في هذه الفقرة، ولا يربط الوقائع بمسؤولية مؤسسية محدّدة، ولا يذكر آليات التحقيق والمساءلة.
ولذلك، فإن الإقرار بالمشكلة حاضر، فيما تبقى المسؤولية عن وقوعها وسبل محاسبة المسؤولين عنها خارج المعالجة في هذا الموضع. وهذه العبارة تصف ما يقوله النص وما لا يقوله، ولا تستنتج من الحذف اللغوي وحده نيّة أو مسؤولية لم يثبتهما التحليل.
خاتمة بصرية
قبل اختتام هذه القراءة، يبقى سؤال يتعلق بالشكل البصري الذي صاحب المقال. فالصورة ليست زينة توضع إلى جانب النص، بل جزء من الخطاب الذي يصل إلى القارئ. ولقراءتها قراءة منضبطة، تفيدنا ثلاث أفكار مستمدّة من أعمال عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، يمكن تقديمها على النحو الآتي:
- المجال الذي يعمل فيه الإعلام: للإعلام قواعد خاصة تحدّد ما يُنشر وما لا يُنشر، وما يُعدّ «خبراً مهماً» وما يُعدّ ثانوياً. ولذلك، فإن ما يصل إلينا ليس صورة كاملة عن الواقع، بل اختيار منه.
- المسلّمات التي لا تُناقَش: تصل إلينا بعض الأمور بوصفها بديهيات، فلا نتوقف عندها ولا نسائلها. وقد تكون أخطر من الأفكار التي نناقشها، لأنها تمرّ من دون اختبار؛ فما لا يُقال صراحة قد يكون أقوى أثراً مما يُقال.
- العنف الرمزي: قدرة الخطاب على فرض تصوّر معيّن للعالم من دون أن يشعر القارئ بأنه يتلقّى موقفاً، فيقبله بوصفه «الواقع كما هو»، لا بوصفه رأياً.
انطلاقاً من هذه الأفكار، يمكن قراءة الصورة المنشورة تحت عنوان المقال بوصفها «حكماً سابقاً على القراءة»؛ فهي تُدخل القارئ إلى المقال بعدما تكون قد تشكّلت لديه صورة عن الشخص، وقبل أن يقرأ حرفاً واحداً من الحسنات أو السيئات.
وتعمل الصورة المنفردة للرئيس أحمد الشرع عمل «المسلّمة البصرية»؛ إذ تُقدَّم بوصفها التمثيل الطبيعي لموضوع المقال، مع أن العنوان يعلن موضوعاً مزدوجاً، هو الحسنات والسيئات.
ومن هنا، يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المقال يعلن ميزاناً بكفّتين، فهل كان يمكن للتمثيل البصري أن يعكس هذا التعدّد؟ وبعبارة أخرى: ما الذي كان يمكن أن يظهر إلى جانب صورة الرئيس أحمد الشرع، تحت عنوان المقال مباشرة، ليجسّد الميزان الذي رفعه النص؟
هذا سؤال عن الشكل، وليس حكماً على الكاتب أو الموقع. لكنه سؤال لا غنى عنه؛ لأن الصورة، في ضوء أفكار بورديو، ليست ملحقاً خارج الخطاب، بل إحدى أقوى أدواته في فرض المسلّمات.
ولو كان المقال ملتزماً فعلاً بميزان الكفّتين، لكان التمثيل البصري الأوفق أن يجمع بين عنصرَي الموضوع: صورة الشخص، وإلى جانبها ما يشير إلى الكفّة الأخرى. أما الاكتفاء بالصورة المنفردة، فيجعل الكفّة البصرية محمّلة بطرف واحد، بينما تغيب الكفّة الأخرى عن العين، ولا تحضر إلا في فقرة نصية واحدة في نهاية المقال.
فالسؤال، إذن، ليس: «لماذا لم تُنشر صورة أخرى؟»، بل: هل يتسق التمثيل البصري المنفرد مع إعلان الميزان بكفّتين؟ وإذا كان الجواب أن الصورة اختيار تحريري لا نصّي، فإن السؤال ينتقل من الكاتب إلى الموقع، ويظل مشروعاً في الحالتين؛ لأن الصورة جزء من الخطاب الذي يصل إلى القارئ، وليست ملحقاً خارجه.
وأخيراً، إذا أردنا للصفحة أن تعكس بصرياً الميزان الذي أقامه المقال بين الحسنات والسيئات، فما الذي كان يمكن أن يظهر إلى جانب الصورة الشخصية للرئيس أحمد الشرع، تحت عنوان المقال مباشرة، ليجسّد هذا الميزان؟
يطرح هذا السؤال مسألة الشكل، من دون إصدار حكم على الكاتب أو الموقع؛ فالصورة المنشورة تُظهر الرئيس أحمد الشرع منفرداً تحت العنوان، فيما يعلن المقال أنه يتناول الحسنات والسيئات معاً. فهل كان ممكناً أن يعكس التمثيل البصري هذا التعدّد في موضوع المقال، بدلاً من الاكتفاء بصورة الشخصية التي يدور حولها السجال؟
الهوامش والمراجع
[1] أحمد حوماني، «هل صحيح أن سوريا ارتمت في الحضن الأميركي الصهيوني؟»، موقع «الحوار نيوز». الرابط الوارد في النص الأصلي:
https://al-hiwarnews.com/هل-صحيح-أن-سوريا-ارتمت-في-الحضن-الأميرك
[2] North Press, 2025; Ruthven, 2025.
[3] Willkie Farr & Gallagher, 2026.
[4] North Press, 2025; Syriac Press, 2025b.
[5] تُعدّ جين شاهين (Jeanne Shaheen) عضوًا بارزًا في عدد من اللجان الرئيسية في مجلس الشيوخ الأميركي، أبرزها:
- لجنة العلاقات الخارجية (Senate Committee on Foreign Relations)، وتشغل فيها موقع العضو الأبرز في حزب الأقلية (Ranking Member).
- لجنة القوات المسلحة (Senate Committee on Armed Services).
- لجنة الاعتمادات (Senate Committee on Appropriations).
- لجنة الأعمال الصغيرة وريادة الأعمال (Senate Committee on Small Business and Entrepreneurship).
[6] Shaheen, J. (2025, December 18). Shaheen statement on the Caesar Act provisions and countering malign influence in Syria [Press release]. U.S. Senate Website.
https://www.shaheen.senate.gov/news/press/shaheen-statement-caesar-act
[7] State Sponsor of Terrorism — SST.
[8] Washington Examiner, 2026.
[9] Rudaw, 2025.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
