قد لا يختلف اثنان على أن الوضع الذي وصل إليه لبنان، بعد أكثر من قرن على إعلان دولة «لبنان الكبير»، وقرن على إعلان الدستور اللبناني، وأكثر من ثمانين عامًا على الاستقلال عن فرنسا، هو، بطبيعة الحال، نتاج فشل التجربة التي خاضتها «الطوائف اللبنانية» في حكم البلد، بغض النظر عن شماعة العوامل الخارجية، على أهميتها، التي يتذرع بها بعضهم.
وقد بلغت هذه التجربة حالاتها القصوى مع بداية الحرب الأهلية عام 1975، واستمرت، وإن بأشكال مختلفة، حتى اليوم، بدءًا من نظام الثنائية «المارونية–السنية السياسية»، إذا صح التعبير، مع بداية الاستقلال الأول، مرورًا بمرحلة ما بعد اتفاق الطائف وبداية «الجمهورية الثانية»، وصولًا إلى «الشيعية السياسية»، بعد الانقلاب على الطائف الذي بلغ ذروته باغتيال عرابه، الرئيس رفيق الحريري، عام 2005، وما سُمّي «الاستقلال الثاني»، وما أعقبه من تطورات.
ويأتي ذلك بغض النظر عن تجربة كل واحدة من هذه القوى في الحكم، ومدى مسؤوليتها ونسبتها عما آلت إليه الأوضاع من سوء قارب حد انحلال الدولة ومؤسساتها، وبات يهدد، إذا استمر، لبنان بوصفه دولة وأرضًا، وفي أحسن الأحوال، يهدد وحدته الجغرافية والاجتماعية.
ويبرز هذا الخطر، خصوصًا، في ظل النكبة التي يعيشها لبنان اليوم، والتي جاءت نتيجة تجربة حكم وخيارات آخر أضلاع هذا المثلث، ونعني به «الشيعية السياسية». وهي نكبة، كما التجربة التي أنتجتها، قد تكون من أسوأ ما مر على لبنان من أحداث وتجارب حكم، ولا سيما أنها، بممارساتها — وهذا تفسير لا تبرير — أعادت ضخ الدم في شرايين بعض المتطرفين لدى الجانبين المسيحي والسني.
فعلى الجانب المسيحي، يطالب بعضهم إما بالتقسيم، أو بالفيدرالية، أو، في أحسن الأحوال، باستعادة «الامتيازات» تحت عنوان صلاحيات رئيس الجمهورية. أما على الجانب السني، فقد عاد بعضهم إلى «شدّ ظهره»، تارة بأحمد الشرع في سوريا، وأخرى برجب طيب أردوغان في تركيا، فضلًا عن التعلق الدائم بالمملكة العربية السعودية ومصر لدى فريق ثالث.
وهذا كله من دون أن ننسى أن السلطة، وإن كانت في كل مرحلة من المراحل تتركز بصورة أكبر في يد إحدى الطوائف، فإن ذلك لا يعفي الطوائف الأخرى من المسؤولية، لكونها كانت شريكة فيها، ولو بدرجات متفاوتة.
غني عن القول إننا، عندما نتحدث عن الطوائف، لا نتناولها هنا بمعناها الديني أو المذهبي، ولا من خلال ممارساتها العقائدية؛ فهذه أمور دينية لا شأن لنا بها، ولها أهلها وخبراؤها وفقهاؤها. بل نقصد سيرتها السياسية وممارساتها في بلد قام على مفهوم «الطائفية السياسية»، بوصفه منهجًا وميثاقًا للحكم والسلطة، بهدف التأسيس للتعايش بين مكونات المجتمع اللبناني.
غير أن الصورة انقلبت، مع مرور الأيام وتوالي التطورات والممارسات، وتحول هذا المنهج إلى أساس للتنافر والتنابذ الوطنيين، مولدًا حروبًا متتالية بمعدل حرب كل خمسة عشر عامًا. بدأت هذه الحروب عام 1958، واستؤنفت عام 1975، قبل أن تضع أوزارها عام 1990 مع إقرار «اتفاق الطائف» وقيام ما سُمّي «الجمهورية الثانية».
وكانت تلك المرحلة أشبه بـ«استراحة المحارب»، وشهدت تحولًا كان يمكن البناء عليه، لولا الوصاية السورية يومذاك، من جهة، وتناغم الطبقة السياسية مع هذه الوصاية في إفراغ الطائف من محتواه، من جهة أخرى.
وقد برز هذا التحول لدى المسيحيين من خلال القبول بإدخال بعض الإصلاحات على النظام السياسي، كما تجلى في تغير نظرة المسلمين، والسنة خصوصًا، إلى لبنان. وهي النظرة التي أسهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إلى حد كبير، في ترسيخها، مستعيدًا بذلك سيرة الرئيس رياض الصلح ودوره في ميثاق عام 1943، عام الاستقلال اللبناني الأول.
لكن الأوضاع عادت وانفجرت عام 2005، بعد اغتيال الحريري، وإن بصورة مختلفة، وصولًا إلى ما آل إليه البلد اليوم من سقوط في الدرك الأسفل من «جهنم».
حدث ذلك على الرغم من الالتفاف اللبناني، في البداية، حول «الميثاق الوطني»، الذي كان، كما هو معروف، نتاج تسوية بين المسيحيين «الموارنة»، ممثلين بالرئيس بشارة الخوري، والمسلمين «السنة»، ممثلين بالرئيس رياض الصلح، عام 1943.
وجاء هذا الميثاق على خلفية المطالبة بالاستقلال عن الانتداب الفرنسي، الذي تحقق في ظل ظروف دولية مؤاتية، كان أبرزها، آنذاك، الصراع بين بريطانيا وفرنسا. لكن، على الرغم من هذا الالتفاف اللبناني، لم ينجح الميثاق بين الطوائف في نزع «العُقَد» التي كانت، وما زالت، تتحكم بكل طائفة من هذه الطوائف.
والدليل أن بشارة الخوري نجح، يومذاك، في إقناع المسيحيين، والموارنة خصوصًا، بالتخلي عن الانتداب الفرنسي، من دون أن ينجح في إدخالهم في «العروبة»، بوصفها فكرة وحالة قائمة في المنطقة. ويعود ذلك إلى خوفهم على خصوصيتهم اللبنانية والمسيحية، وهم الذين يعدّون لبنان حلمهم التاريخي ودولتهم التي تحفظ لهم هذه الخصوصية والامتيازات التي يتمتعون بها في الحكم.
ومع مرور الأيام، تحول التمسك بهذه الامتيازات إلى «عقدة خوف» تتحكم بمصيرهم كلما جرى الحديث عن أي إصلاح للنظام السياسي يجعله متوائمًا مع المتغيرات، شأنه شأن أي نظام سياسي طبيعي في العالم.
ثم تحولت هذه العقدة إلى محرك ومبرر لكل الصراعات التي خاضها المسيحيون لاحقًا، لتضاف إليها، بذريعة الحفاظ على هذه الامتيازات وباسمها، عقدة جديدة هي «عقدة الرئاسة».
وبذلك، بات كل ماروني، سواء أكان سياسيًا حزبيًا، أم عسكريًا كقائد الجيش مثلًا أو حتى قائد ميليشيا، أم اقتصاديًا وماليًا كحاكم مصرف لبنان، مرشحًا رئاسيًا طبيعيًا، بغض النظر عن كفاءته ومؤهلاته ومدى ملاءمته للواقع السياسي في البلد.
ويعني ذلك نشوء صراعات داخلية مسيحية بالدرجة الأولى، مع إمكان استغلال الخارج لهذه الصراعات، تحت شعار الحفاظ على حقوق المسيحيين أو استرجاعها.
في المقابل، وعلى الرغم من نجاح رياض الصلح في إدخال السنة اللبنانيين، والمسلمين عمومًا، إلى الكيان اللبناني، فإنه لم ينجح كليًا في كبح حنين بعضهم إلى القومية العربية، وحنين بعضهم الآخر إلى الأمة الإسلامية ودولة الخلافة. وقد مثّل ذلك «عقدة الهوية» لدى السنة، بين الوطنية اللبنانية والقومية العربية والخلافة الإسلامية.
كما لم ينجح الميثاق الوطني، بجناحيه الماروني والسني، في فك «عقدة المظلومية» لدى الطائفة الشيعية، ما جعلها تلجأ، مع تطور الأحداث وقبل الحرب الأهلية، إلى الأحزاب والمنظمات اليسارية والفلسطينية، لتشكل خزانها البشري الأكبر، تحت شعار رفع المظلومية الاجتماعية التي تجلت في أحزمة البؤس المحيطة بالعاصمة بيروت.
وبعد اتفاق الطائف، اتجهت الطائفة الشيعية نحو إيران «الشيعية»، تحت شعار تحرير الجنوب اللبناني وحمايته، وتحرير فلسطين من الصهيونية.
وهكذا، تحولت تلك العُقَد الطائفية جميعها إلى عقدة لبنانية وضعت لبنان بين شِقّي منشار التطورات الإقليمية والدولية، فانفجرت حروبًا متتالية تحت شعارات رنانة، محلية وإقليمية ودولية، وما زالت ذيولها تتحكم بمصائرنا حتى اليوم.
وقد مثّل ذلك فشلًا لنظام «الطائفية السياسية» برؤوسه الثلاثة: المارونية والسنية والشيعية، بغض النظر، كما سبق وقلنا، عن نسبة مسؤولية كل طائفة عن هذا الفشل ومداها.
وهذا ما يستوجب البحث عن أفكار وحلول جديدة تستطيع مواكبة العصر ومتغيراته؛ إذ ليس من الحكمة التعامل مع عصر الذكاء الاصطناعي بأدوات تعود إلى قرن مضى وانتهى، بعدما استُهلكت هذه الأدوات وخلفت وراءها الكوارث والمآسي. والأدوات هنا لا تشمل الأنظمة والقوانين فحسب، بل تشمل أيضًا الطبقة السياسية التقليدية الحالية.
لقد بات لبنان في الدرجات الدنيا من سلم الحداثة الإنسانية ومتطلباتها في العالم، ما يستدعي حلولًا جديدة وسريعة وخلاقة قبل فوات الأوان. وقد يكون أحد هذه الحلول تبني خيار الدولة ذات الحكم المدني العلماني، بعد أكثر من قرن على تبني خيار الحكم الطوائفي.
وتبدأ هذه الدولة بكتاب تاريخ موحّد، ولا تنتهي بقانون أحزاب وطني وعصري يؤسس لأحزاب غير طائفية، وقانون إعلام واضح وشفاف يجعل منع التمويل الخارجي في مقدمة بنوده، إلى جانب قانون انتخاب نسبي يتيح تكافؤ الفرص للجميع.
وإلا، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة، وننتج حربًا تلو أخرى كل عشرين عامًا، على الأكثر، بحجة التطورات الإقليمية والتدخلات الخارجية. وهذه التدخلات حاصلة وموجودة فعلًا، لكنها تنفذ إلينا من ثغرات نظام الحكم الطائفي القائم لدينا، لأنه نظام لا يمتلك مناعة وطنية تحميه، بل تسكنه ممانعة لدى كل طائفة، أو كل خلية من خلاياه، تجاه كل تطور وتحديث.
ويجري ذلك باسم الدين والطائفة والمذهب، وهي أدوات حُرّفت، للأسف، عن معناها الحقيقي على أيدي بعض رجال السياسة والدين، فجعلوها مطية لهم ولأتباعهم، يتحكمون من خلالها بالسلطة والوطن ومقدراته، بعيدًا عن المحاسبة.
فالمحاسبة تعني، في عرفهم، مساسًا بالطائفة، بينما تمثل، في حقيقتها، إحساسًا بالمسؤولية تجاه الوطن والناس والمستقبل.
تجدون ثلاثية كتب «طوائف لبنان في حالاتها القصوى» في جناح مؤسسة «ألف ياء» للنشر، في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، من 9 إلى 18 تشرين الأول، في سي سايد أرينا – بيروت.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
