تتحوّل طاولات التفاوض، في لحظات التاريخ الحرجة، من مجرّد مساحة لتبادل الأوراق السياسية إلى ميادين مفتوحة لاختبار المعادن الإنسانية، حيث لا تعود الغلبة فيها لمن يمتلك الترسانة الأضخم، بل لمن يحمل في حقيبته وضوحاً مبدئياً لا يقبل الكسر. ولعلّ في تجربة الوفد الفيتنامي الذي حلّ ضيفاً على باريس في أواخر ستينيات القرن الماضي ما يُجسّد هذا المعنى بأبهى صوره. فبينما كانت أضواء العاصمة الفرنسية تتلألأ ترحيباً بالدبلوماسيين، اختار هؤلاء المقاتلون القادمون من عمق الأدغال أن يضربوا حول أنفسهم سياجاً من الزهد الأخلاقي والانضباط المعنوي، مدركين بحسّهم الفطري أنّ نعومة المقاعد الدبلوماسية قد تسبق ليونة المواقف السياسية، وأنّ من اعتاد صلابة…
في لبنان، لا يُكافأ من يحترم القانون، بل يُحاصَر. هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة سياسية تتكرّر مع كل محاولة جدية لإعادة الاعتبار إلى الدولة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو حالة نواف سلام استثناءً، بل اختبارًا فاضحًا لطبيعة النظام نفسه. المشكلة لا تكمن في الرجل، بل في البيئة التي يعمل فيها. فسلام لا يقوم بأكثر من التصرّف وفق ما يفترض أن يكون بديهيًا في أي دولة: الاحتكام إلى القانون. غير أنّ ما هو بديهي في الدول، يتحوّل في لبنان إلى سلوك إشكالي، بل استفزازي، لأنه يصطدم مباشرة بمنظومة قامت أساسًا على الالتفاف على القانون، لا تطبيقه. هذه المفارقة ليست تفصيلًا.…
في ظهيرة يوم هادئ، تناولتُ طعام الغداء في الحرم الجامعي، ثم خرجتُ أتمشّى على ضفة النهر القريب. كان الممشى ممتدًا في سكون، تحفّه أشجار باسقة تتمايل أغصانها برفق، كأنها تهمس بأسرار الطبيعة. وبينما كنت أستغرق في هذا الجمال، التفتُّ إلى يميني، فإذا بدراجة هوائية مهملة، ملقاة على الأرض في صمت يثير التساؤل. توقفتُ لحظات، ضاق فيها التفكير بين أن أتركها لمصيرها أو أتدخل. ثم انحنيتُ، حملتها، تأملت عجلاتها، وأمسكت بمقودها متجهًا بها نحو قسم الصيانة. تركتُها خارج المخزن، وتقدمت إلى الكاونتر، محييًا الموظف، طالبًا منه منفاخًا وصندوق عدّة لإصلاحها. لم يمانع، فبدأت العمل بحماس، حتى استغرقني إصلاحها قرابة ساعة كاملة.…