في الوعي والتاريخ اللبناني، لم تولد فكرة المقاومة مع حزب الله، بل سبقته بوصفها خياراً وطنياً في مواجهة الاحتلال. فقد صدر قانون مقاطعة إسرائيل في عهد الرئيس كميل شمعون، بمبادرة من غسان تويني، في مرحلة دستورية سابقة من تاريخ لبنان. وقد حظي هذا القانون آنذاك بدعم إعلامي واسع، على خلاف النقاش القائم اليوم حول مستقبله. غير أنّ تحوّل خيار المقاومة إلى حصرية شبه كاملة للسلاح والجبهة بيد طرف واحد، هو حزب الله، أفرز مع مرور الوقت آثاراً جانبية عميقة، تمثّلت في اختلال التوازن الداخلي، وارتباك القرار الوطني، واتساع الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الفعل العسكري. اليوم، لم يعد ذلك نقاشاً…
على خطٍ موازٍ لتعثر مفاوضات إسلام آباد وغموض مآلاتها، يتخذ التصعيد في جبهة لبنان منحى أكثر تعقيدًا، بعد أن أُسقط بلد الأرز من حسابات التهدئة الإقليمية، في مؤشر واضح على موقع لبنان في مرحلة ما بعد الحرب. ففي هذا السياق، رفضت إيران التنازل عن أوراق حملتها في حقيبة التفاوض، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، من لبنان إلى مضيق هرمز. وفي المقابل، يظهر "لبنان الرسمي" أكثر حزمًا في السعي إلى فكّ ارتباط الملفات بمنطق الوكالة المفروض منذ عقود. في مشهد سياسي شديد التعقيد، يجري مسؤولون لبنانيون محادثات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى تفاهمات أمنية تُبقي لبنان…
منذ انطلاق شرارة الأحداث المأساوية في أكتوبر 2023، انزلق الشرق الأوسط في أتون صراع مفتوح أعاد رسم خرائط الألم والتوتر في المنطقة. وفي قلب هذه العاصفة، يقف لبنان الشقيق، بجماله الجريح وتاريخه العريق، يدفع ضريبة الجغرافيا السياسية وتعقيدات الداخل. فقد استمرت الدولة اللبنانية ومؤسساتها في حالة من الشلل وعدم الاستقرار، مقيدة بعجز مزمن عن تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الضرورية لإنقاذ اقتصادها المنهك. وفي خضم هذا المشهد القاتم، وبخاصة بعد تصاعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت سيادة لبنان وأرواح أبنائه، برز الدور المصري كمنارة للأمل وحصن منيع يساند الدولة اللبنانية. إن الموقف المصري هنا يتجاوز لغة المصالح السياسية الباردة، ليرتقي إلى لغة…