تحوّلت السماء إلى ساحة اغتيال، وكاد الملك أن يفقد عرشه في لحظات. ففي السادس عشر من آب عام 1972، عاش المغرب والعالم فصول واحدة من أكثر محاولات الانقلاب إثارةً وغموضاً في التاريخ الحديث. بدا المشهد كأنه مقتطع من فيلم سينمائي مشحون بالتشويق والدماء، لكنه كان واقعاً مرعباً وضع حكم الملك الحسن الثاني على حافة السقوط، وكاد أن يغيّر مسار المملكة إلى الأبد. على ارتفاع آلاف الأمتار، وجد الملك نفسه على متن طائرته الملكية هدفاً لمقاتلات حربية مغربية انقضّت عليها في محاولة لاغتياله. غير أن المفارقة الأكثر إثارة في هذه الواقعة لم تكن المطاردة الجوية وحدها، بل الخدعة التي لجأ إليها…
بين شعب يحاسب قيادته عبر صناديق الاقتراع، وشعب يعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، يبقى السؤال: متى يتعلّم اللبناني أن صوته أمانة، وليس إرثًا طائفيًا؟ أثبتت التجربة الديمقراطية في الولايات المتحدة أن صندوق الاقتراع ليس مجرد وسيلة لإيصال السياسيين إلى السلطة، بل هو أيضًا أداة لمحاسبتهم ومعاقبتهم عندما يفشلون في إدارة شؤون البلاد ويخيّبون آمال المواطنين. فالناخب الأميركي، عندما يشعر بأن قيادته السياسية لم تعد تمثّل تطلّعاته، وأن الوعود الانتخابية تحوّلت إلى شعارات فارغة، يمتلك القدرة على سحب ثقته منها ومنح صوته لبديل آخر. فلا زعيم فوق المحاسبة، ولا حزب يمتلك أصوات الناس إلى الأبد، ولا ولاء سياسي ينبغي أن يتقدّم…
بعدما تناولنا في الجزء الأول (https://beirut2030.me/?p=7718) دور الكنيسة الأرمنية الرسولية في صون هوية شعبها، واستعرضنا في الجزء الثاني (https://beirut2030.me/?p=7746) أزمتها مع الدولة وما رافقها من ملاحقات قضائية وصراع حول استقلال القيادة الروحية، ننتقل في هذا الجزء الثالث والأخير إلى الخلفيات الإقليمية والتاريخية لهذه المواجهة، وإلى امتداداتها في لبنان وسوريا وبلدان الانتشار الأرمني. لم تكن المخاوف التي عبّر عنها الأب غيفورغ فاردانيان خلال المنتدى الدولي الثاني عشر «الدين والسلام» في موسكو منفصلة عن تاريخ الصراعات التي أحاطت بالكنيسة الأرمنية الرسولية، ولا عن موقعها في الدفاع عن الذاكرة الوطنية للشعب الأرمني. فوراء التوترات بين الحكومة الأرمنية والقيادة الكنسية، تقف قضايا تتجاوز الخلاف…