الجغرافيا التي تحكم السياسة وتفسّر صراعات القوى الكبرى

تحليل – خاص «بيروت 2030»

فرضت الجغرافيا على الشرق الأوسط أن يكون أكثر من مجرّد منطقة تتقاطع فيها الحدود؛ إذ تحوّل عبر التاريخ إلى نقطة ارتكاز في معادلات القوة العالمية. فمن يسيطر على هذه المنطقة لا يملك موارد الطاقة فحسب، بل يمتلك أيضاً القدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية، وأمن البحار، والتوازنات السياسية بين القارات الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا. ولهذا، لم يكن التنافس الدولي على الشرق الأوسط حدثاً عابراً، بل سياسة ثابتة رافقت صعود الإمبراطوريات وسقوطها.

أدركت بريطانيا، منذ القرن التاسع عشر، أن حماية إمبراطوريتها لا تبدأ من لندن، بل من البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس والخليج العربي والطريق البحري المؤدّي إلى الهند، التي كانت توصف آنذاك بأنها «جوهرة التاج البريطاني». لذلك، انطلقت الاستراتيجية البريطانية من ركيزة جيوسياسية واضحة، قوامها السيطرة على الممرّات البحرية، ومنع ظهور قوة إقليمية تستطيع تهديد هذه الممرّات أو التحكّم بها.

ويجد هذا التفكير تفسيره في النظريات الجيوسياسية التي برزت في مطلع القرن العشرين. فقد رأى بعض المنظّرين الغربيين أن السيطرة على الأطراف الساحلية المحيطة بأوراسيا، التي يشكّل الشرق الأوسط جزءاً محورياً منها، هي المفتاح الحقيقي للهيمنة الدولية. ولم تكن هذه النظريات مجرّد اجتهادات أكاديمية، بل تحوّلت إلى مرجعيات غير معلنة في صياغة سياسات القوى الكبرى.

وفي الأدبيات السياسية العربية، يتكرّر الحديث عمّا يُعرف بـ«مؤتمر كامبل–بانرمان»، المنسوب إلى عام 1907، والذي يُقال إنه جمع ممثّلين عن عدد من القوى الاستعمارية الأوروبية، برئاسة رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل–بانرمان، بهدف مناقشة مستقبل المنطقة العربية والإسلامية وسبل الحفاظ على التفوّق الغربي. وتُنسب إلى هذا المؤتمر توصيات تدعو إلى الحيلولة دون قيام قوة عربية أو إقليمية موحّدة، والعمل على إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الانقسام والتفكّك، بما يضمن استمرار الهيمنة الغربية. غير أن صحة انعقاد هذا المؤتمر والوثائق المتداولة بشأنه لا تزال موضع خلاف بين المؤرّخين؛ إذ لم تثبتها المصادر التاريخية الأساسية بصورة قاطعة.

ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن السياسات الغربية التي أعقبت تلك المرحلة بدت منسجمة مع الفكرة العامة المنسوبة إلى المؤتمر، والمتمثّلة في منع نشوء قوة عربية أو إقليمية قادرة على تغيير موازين القوى في المنطقة. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى بدأت المنطقة تشهد تحوّلات مفصلية، تمثّلت في «اتفاقية سايكس–بيكو»، ثم وعد بلفور، ومن بعدهما الانتداب البريطاني على فلسطين. وهي خطوات أعادت رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وأنتجت واقعاً جديداً لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم. كما أن الدعم البريطاني للحركة الصهيونية لم يكن معزولاً عن الحسابات الجيوسياسية، بل ارتبط برؤية تعتبر أن وجود حليف قوي في قلب المشرق العربي ينسجم مع المصالح الاستراتيجية البريطانية في تلك المرحلة.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقلت قيادة النظام الدولي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، لكن جوهر الاستراتيجية لم يتغيّر كثيراً. فقد تبنّت واشنطن سياسة تقوم على حماية طرق إمداد الطاقة، وضمان أمن الممرّات البحرية، والحفاظ على تفوّق حلفائها الإقليميين، ومنع ظهور قوة منفردة تفرض هيمنتها على الشرق الأوسط. ولهذا، شهدت المنطقة سلسلة طويلة من التحالفات والتدخّلات والأزمات، بدءاً من الحرب الباردة، مروراً بحروب الخليج، ووصولاً إلى الصراعات الدائرة اليوم.

ولا يمكن فهم التنافس الأميركي–الصيني أو العودة الروسية إلى المنطقة من دون إدراك القيمة الجيوسياسية للشرق الأوسط. فمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وشرق البحر المتوسط ليست مجرّد أسماء على الخريطة، بل شرايين يتحرّك عبرها قسم كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، وهو ما يجعل أيّ تغيّر في موازين القوى داخل هذه المنطقة قضية ذات أبعاد دولية.

إن قراءة تاريخ الشرق الأوسط من منظور الجغرافيا السياسية تكشف أن الصراع لم يكن يوماً صراعاً على الأرض وحدها، بل على الموقع والقدرة على التحكّم بحركة العالم. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار التنافس الدولي وتبدّل أدواته، من الاحتلال المباشر إلى النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. فالدول الكبرى قد تتغيّر، والتحالفات قد تتبدّل، لكن الجغرافيا تبقى العامل الأكثر ثباتاً في صناعة التاريخ؛ لأنها تحدّد قيمة المكان، وترسم حدود المصالح، وتفرض على القوى العظمى أن تجعل من الشرق الأوسط محوراً دائماً في حساباتها الاستراتيجية.

لكن السؤال الأهمّ لا يتعلّق فقط بكيفية تفكير القوى الكبرى، بل بكيفية تفكير الدول العربية نفسها. فإذا كانت الجغرافيا قد جعلت الشرق الأوسط محوراً دائماً للتنافس الدولي، فإنها منحت دوله، في الوقت نفسه، عناصر قوة اقتصادية هائلة لا تتوافر في كثير من مناطق العالم. ومن هنا، فإن حماية المصالح العربية لا تتحقّق بالرهان على قوة خارجية، بل ببناء قوة ذاتية قادرة على تحويل الموقع الجغرافي من مصدر تهديد إلى مصدر نفوذ.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.