ثمة شيء غير طبيعي يجري على طرقات لبنان. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر عن حادث مروّع، أو عائلة تفقد أحد أبنائها، أو شاب يخرج من منزله ولا يعود. ومع تكرار المشهد، بات الخوف أن نتعامل مع هذه المآسي باعتبارها جزءاً عادياً من يومياتنا، فيما الأرقام تقول إننا أمام مشكلة حقيقية لا أمام سلسلة من المصادفات.
منذ بداية العام 2026، تجاوز عدد ضحايا حوادث السير في لبنان الأربعمئة، وفق أحدث الأرقام المنشورة. وفي الأشهر الأربعة الأولى من السنة وحدها سُجّل 962 حادث سير أوقع 142 قتيلاً و1052 جريحاً.
أما في العام 2025، فكانت المؤشرات قد بدأت تدق ناقوس الخطر بوضوح. ففي الأشهر التسعة الأولى منه، سُجّل 2462 حادثاً و413 قتيلاً و2846 جريحاً، مقابل 1864 حادثاً و336 قتيلاً و2103 جرحى في الفترة نفسها من عام 2024. أي إننا لم نكن أمام زيادة بسيطة، بل أمام قفزة واضحة في عدد الحوادث والضحايا والجرحى. ووفق أرقام أخرى استندت إلى بيانات قوى الأمن الداخلي، وصل عدد حوادث السير خلال عام 2025 إلى نحو 2680 حادثاً، خلّفت 451 قتيلاً و3177 جريحاً.
كل هذه الأرقام تستدعي سؤالاً بديهياً: ماذا يحدث على طرقات لبنان؟
بطبيعة الحال، لا يمكن اختصار أسباب الحوادث بعامل واحد. السرعة المفرطة موجودة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة بات آفة حقيقية، كما أن القيادة المتهورة، والكحول والمخدرات، وعدم استعمال حزام الأمان، وفوضى الدراجات النارية، كلها عوامل لا يمكن تجاهلها. يُضاف إليها وضع طرقات يعرفه كل لبناني: حفر، إنارة غائبة، إشارات مفقودة أو معطلة، وتقاطعات تحتاج في حد ذاتها إلى معجزة كي تُعبر بسلام.
لكن وسط الحديث عن السائق والطريق، ثمة عنصر ثالث يكاد يكون غائباً بالكامل عن النقاش: المركبة نفسها. وهنا تبدأ مشكلة المعاينة الميكانيكية. فمن يضمن أن السيارة صالحة للسير؟
منذ سنوات، تسير مئات آلاف المركبات على الطرق اللبنانية من دون أن تخضع لنظام معاينة ميكانيكية دورية فعلي. والسيارة التي كانت صالحة للسير قبل ثلاثة أو أربعة أعوام ليست بالضرورة صالحة اليوم ولا تستوفي شروط السلامة العامة. فمن يكتشف ذلك؟
المعاينة ليست رسماً إضافياً تفرضه الدولة على مالك السيارة، وليست ملصقاً على الزجاج ولا ورقة جديدة تضاف إلى أوراق السيارة. وظيفتها الأساسية أن تقول إن هذه المركبة يمكن أن تسير على الطريق من دون أن تشكّل خطراً على صاحبها وعلى من حوله.
وقانون السير اللبناني نفسه يفرض المعاينة الدورية على المركبات وفق فئاتها وأعمارها، وينص أساساً على ضرورة أن تكون المركبة في حالة فنية جيدة قبل استخدامها على الطريق. لكن القانون موجود والمعاينة غائبة.
يُتداول منذ فترة أن نسبة المركبات غير المؤهلة التي تجول على الطرق اللبنانية قد تصل إلى نحو 70 في المئة. وبمعنى أكثر مباشرة: نحن نسمح اليوم لمركبات كثيرة بالدخول إلى الطرق، من دون أن تكون هناك جهة أجرت فحصاً دورياً مستقلاً للتأكد من أنها لا تشكل خطراً.
من السهل هنا الوقوع في المبالغة والقول إن إعادة المعاينة الميكانيكية ستنهي حوادث السير. هذا غير صحيح. فالسلامة المرورية هي سلسلة متكاملة: سائق مسؤول، مركبة سليمة، طريق آمنة، رقابة جدية، تطبيق للقانون، إسعاف سريع، ومحاسبة. فإذا كان أحد هذه العناصر معطلاً، تزداد المخاطر. وإذا كان أكثر من عنصر معطلاً، كما هي الحال في لبنان، يصبح وقوع الكارثة مسألة شبه محسومة.
من جهته أعلن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار في 12 أيار 2026 أن الوزارة أنجزت دفتر الشروط الخاص بتحديث مركز المعاينة الميكانيكية، وأن المطلوب لم يعد سوى بعض التعديلات والإجراءات قبل إعادة إطلاق الملف. لكن في 28 آب 2026، عادت وزارة الداخلية، ضمن توصيات اللجنة الوطنية للسلامة المرورية، لتطلب من هيئة إدارة السير والآليات والمركبات الإفادة عن واقع مراكز المعاينة، وعن المراحل التي بلغها إعداد دفتر الشروط اللازم لإعادة تفعيل المعاينة الميكانيكية.
وهنا لا يحتاج المواطن إلى كثير من الخبرة الإدارية كي يستغرب. إذا كان دفتر الشروط قد أُنجز في أيار، فلماذا يجري في نهاية آب السؤال عن المرحلة التي وصل إليها إعداده؟
لقد سمع الناس ما يكفي من هذه اللغة. المطلوب أن يعرفوا موعداً ومساراً واضحين: متى ينتهي دفتر الشروط؟ متى تبدأ إجراءات التلزيم؟ متى تصبح المراكز جاهزة؟ ومتى تدخل أول سيارة إلى خط المعاينة من جديد؟
وفي انتظار ذلك، يستمر عداد الضحايا. وما دام بالإمكان منع موت واحد على الطريق، فإن التأخير لم يعد مسألة إدارة… بل مسؤولية لا يمكن التهرّب منها.

سيمون جرجس
مسؤول خطوط الفحص في المعاينة الميكانيكية.
