من الخطر أن تلعب دور الله… إذا لم تكن أنت الله!

عن الصحافة الغربية

لطالما قالت لي أمي إن الكنيسة الكاثوليكية أكبر من الرجال الذين يديرونها. لكن خيبة أملي في هؤلاء الرجال، خلال تغطيتي فضائح الاعتداءات الجنسية، بلغت حدًّا لم أعد معه أحتمل الذهاب إلى القداس.

فالكنيسة التي أسهمت في تشكيل إدراكي للصواب والخطأ في طفولتي بدت، فجأة، عاجزة عن التمييز بينهما. لكن البابا لاوُن الرابع عشر، أو «البابا بوب»، كما يُلقَّب أول بابا أميركي، قد ينجح في استمالتي من جديد.

كان الرئيس ترامب يجتاح العالم مثل غريندل وقت العشاء. وغريندل مخلوق شره ووحشي، لا يستطيع أحد الوقوف في وجهه. وقد واجه لاوُن، الهادئ والمتواضع، الذي يسعى جاهدًا إلى توحيد الصفوف، ترامب الحادّ الطبع والمنفرد بقراراته، الذي يسعى جاهدًا إلى بثّ الانقسام. وإن رؤية البابا ذي السلوك القدّيسي يلقّن الرئيس المفتقر إلى الأخلاق درسًا لَمشهد مبارك.

وأنا متأكدة من أن قداسته أدرك فداحة المأساة حين أخذ وزير الدفاع بيت هيغسيث يصوّر الصراع مع إيران على أنه حرب مقدّسة، في محاولة لوضع الله في الجانب الأميركي، وهو يطلب من قواتنا أن تمطر «الموت والدمار من السماء» على الأعداء الإيرانيين «المروّعين».

وفي آذار/مارس، دعا هيغسيث إلى «استخدام عنف ساحق ضد أولئك الذين لا يستحقون الرحمة»، وطلب من الله أن «يكسر أسنان الفجّار». وبعدها، قرأ مقطعًا مستمدًّا من اقتباس ورد في فيلم كوينتن تارانتينو «بَلب فيكشن» (Pulp Fiction)، يقول: «وسأنزل انتقامًا عظيمًا وغضبًا عارمًا بأولئك الذين يحاولون النيل من أخي وتدميره». كما ندّد بالصحافة، واصفًا إياها بأنها «فريسية»، تتآمر لإلحاق الضرر بإدارة ترامب، على غرار ما دبّره الفريسيون لإيذاء يسوع.

وكان جورج دبليو بوش قد اضطر إلى التراجع عن استخدام عبارة «حملة صليبية» لوصف الحرب على الإرهاب، نظرًا إلى ما تستحضره من دلالات عدائية مرتبطة بالحملات الصليبية المدعومة من البابوية، التي سعت إلى محو المسلمين من الأراضي المقدسة.

لكن هيغسيث ليس مؤرّخًا. فكتابه يحمل عنوان «الحملة الصليبية الأميركية»، وهو يحمل «الكتاب المقدّس الصليبي»، المعروف بصوره العنيفة للحروب المسيحية المبكرة. كما يحمل على جسده وشمًا لصليب صليبي وعبارة «Deus vult»، التي تعني باللاتينية: «الله يريد ذلك».

ويمكن لهيغسيث أن يتعلّم درسًا من جورج بوش الأب. فعندما كان بوش طيّارًا شابًا في الحرب العالمية الثانية، أُسقطت طائرته قرب جزيرة يابانية. وخلال حملته الانتخابية للرئاسة، سُئل عمّا كان يفكّر فيه وهو يسبح في المحيط الهادئ، خائفًا من أن يقع في قبضة العدو. فأجاب بأنه كان يفكّر في «القيم الأساسية»، مثل «الفصل بين الكنيسة والدولة».

وخلال أسبوع عيد الفصح، بدا أن البابا يوبّخ هيغسيث، إذ قال إن الرسالة المسيحية كثيرًا ما «شوّهتها الرغبة في الهيمنة، وهي رغبة غريبة تمامًا عن نهج يسوع المسيح».

وفي يوم عيد الفصح، انتقد البابا ترامب بسبب أحد تهديداته المتكرّرة بتدمير الحضارة الإيرانية، وهو تهديد أتبعه ترامب، بفظاظة، بعبارة «الحمد لله». ووصف لاوُن هذا الابتزاز الذي يهدّد الوجود بأنه «غير مقبول إطلاقًا»، ويمثّل تجاوزًا للقانون الأخلاقي.

وصعّد ترامب موقفه، فنشر صورة ساخرة لنفسه في هيئة شخصية تشبه يسوع، تشفي رجلًا مريضًا، وهاجم الأب الأقدس عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتهامات باطلة، قائلًا إن البابا «ضعيف في مواجهة الجريمة»، ومضيفًا: «لا أريد بابا يعتقد أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا أمر مقبول».

لكن لاوُن، القادم من شيكاغو ذات الطابع الصلب، لم يتراجع. وكتب على منصة «إكس»: «الله لا يبارك أي صراع. ومَن يكون تلميذًا للمسيح، أمير السلام، لا يقف أبدًا إلى جانب أولئك الذين استخدموا السيف في الماضي ويلقون القنابل اليوم». كما ذكّر الرئيس المتسلّط وغريب الأطوار بأنه ينبغي أن يعزّز السلام من خلال الحوار والتعددية.

وقال لاوُن للصحافيين: «يعاني كثير من الناس اليوم، وقد قُتل كثير من الأبرياء، وأعتقد أن على أحدهم أن يقف ويقول إن هناك سبيلًا أفضل».

واندفع جيه دي فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية حديثًا نسبيًا، إلى المواجهة، وأخذ يلقي على لاوُن دروسًا، داعيًا إياه إلى «توخّي الحذر عند الحديث عن مسائل لاهوتية»، ولا سيما ما يتعلّق بـ«تقليد نظرية الحرب العادلة».

وفي تصرّف صبياني بدا انتقاميًا بوضوح، ألغى ترامب عقدًا اتحاديًا بقيمة 11 مليون دولار مع مؤسسة «الجمعيات الخيرية الكاثوليكية» في ميامي، لإيواء الأطفال المهاجرين القادمين إلى أميركا بمفردهم وإطعامهم. وحتى أختي، المتحمّسة لترامب، وجدت ذلك مقزّزًا.

ويصعب على الرئيس أن يمنح البابا الاحترام الذي يستحقّه، لأن ترامب يعتقد، على ما يبدو بوضوح، أنه هو المسيح.

وقبيل انتخاب لاوُن مباشرة، نشر ترامب صورة ساخرة لنفسه في هيئة بابا. إنه يتبختر كالطاووس، ويتقمّص الأدوار جميعها: ملكًا، وبابا، ويسوع.

لكن يجدر بالرئيس أن يقرأ حكاية الأخوين غريم عن الرجل الفقير الذي كان يعيش في كوخ واصطاد سمكة سحرية. فقد ألحّت عليه زوجته أن يطلب منزلًا أكبر، ثم قصرًا، ثم أن يجعلها ملكة، فإمبراطورة، فبابا. ولبّت السمكة هذه الرغبات جميعًا. لكن حين استبدّ بالزوجة المزيد من الطمع، وطلبت من الرجل أن يتمنّى لها أن تكون «مساوية لله»، أعادتهما السمكة إلى كوخهما.

من الخطر أن تلعب دور الله… ما لم تكن أنت الله!

 

مورين داود — «نيويورك تايمز»
ترجمة بتصرّف

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.