على مدى سنوات، ضغطت الولايات المتحدة على أوروبا كي تنضم إليها في اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا، وحماية نفسها في مواجهة الصين. لكن أوروبا قاومت هذه الضغوط، مصرّة على قدرتها على سلوك مسار وسط بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.
فكم تبدّلت الأحوال؛ أوروبا اليوم هي التي تلقي على الولايات المتحدة دروسًا بشأن التهديد الذي تشكّله روسيا، في وقت أصبحت فيه واشنطن أقل التزامًا بالدفاع عن أوكرانيا والتصدّي للعدوان الروسي. والأكثر إثارة للاهتمام أن أوروبا تبدو وكأنها تتخذ خطوات لتحقيق التفوّق في القدرة على التصعيد في حرب تجارية محتملة مع الصين، وذلك تحديدًا في وقت تشدّد فيه الولايات المتحدة على التهدئة، والاستقرار الاستراتيجي، وإرساء سلام مقبول مع الصين.
قد يمثّل الأسبوع (الماضي) اللحظة التي تتبادل فيها الولايات المتحدة وأوروبا موقعيهما في نهاية المطاف. فمنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، الذي جعل الأمن الأوروبي قضية بالغة الإلحاح والخطورة، زاد الأوروبيون إنفاقهم الدفاعي وتحوّلوا إلى مصادر بديلة للطاقة. وفي الوقت نفسه، توافد القادة الأوروبيون إلى المكتب البيضاوي لمحاولة تحذير الرئيس، دونالد ترامب، من مخاطر مهادنة نظيره الروسي، فلاديمير بوتين. في المقابل، سحبت إدارة ترامب خمسة آلاف جندي من ألمانيا هذا الربيع، وخفّضت إجمالي القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا إلى مستويات ما قبل الحرب، وقلّصت المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا بنسبة 99 في المئة.
أظهر الأوروبيون، الأسبوع الماضي، أنهم ربما يسلكون نهجًا مختلفًا. ففي رسالة وُجهّت إلى رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، اقترح المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة تجارية تُستخدم كملاذ أخير، وتمنح المفوضية الأوروبية صلاحية قطع الوصول فورًا إلى السوق الأوروبية الموحدة في مواجهة الإكراه الاقتصادي الصيني، ولا سيما في ما يتعلّق بمعادن العناصر الأرضية النادرة.
بالطبع، لا يزال المقترح، في هذه المرحلة، مجرد مقترح، لكن اللغة التي استخدمها الزعيمان الأوروبيان تؤكّد تحوّلًا جذريًا في المنظور الأوروبي. فقد كتبا أن الأداة التجارية الجديدة ضرورية لكي «تمنحنا القدرة على التصدّي للحالات التي تسعى فيها دول ثالثة عمدًا إلى تقويض استعادة تكافؤ الفرص وشروط السوق العادلة، بوسائل سياسية أو اقتصادية، بما يؤدّي إلى تشوّهات حادّة وممنهجة في سوقنا الداخلية». ومع أنهما لا يسمّيان أي دولة بعينها، ومع أن الولايات المتحدة قد تكون، من حيث المبدأ، أحد الأهداف المحتملة، فإن هذه الأداة صُمّمت بوضوح والصين حاضرة في الأذهان.
تمثّل رسالة ماكرون وميرتس إقرارًا ذا دلالة من القوتين المحرّكتين للسياسة الأوروبية بأن الصين تمتلك القدرة والإرادة لإحداث اضطرابات مدمّرة في اقتصاداتهما، من خلال مزيج من فائض الطاقة الإنتاجية، والتلاعب بسعر صرف العملة، وضوابط التصدير. ويستمدّ هذا الإعلان أهميته من أن ألمانيا شكّلت، لسنوات، عقبة رئيسية أمام اتّخاذ أوروبا موقفًا أكثر صرامة تجاه الصين في القضايا الاقتصادية. وقد خلصت برلين، متأخرة، إلى أنها كانت ضحية وهدفًا للسياسة الصناعية المنسّقة التي تنتهجها بكين، والتي تفرّغ القاعدة الصناعية الألمانية من مقوّماتها، وتقضي على الوظائف في الصناعات التحويلية، وتقوّض استقلال البلاد الاقتصادي، في وقت تتخلّص فيه ألمانيا من اعتمادها على الطاقة الروسية.
والحال أن الأداة التي وصفها ماكرون وميرتس هي تحديدًا من نوع الأسلحة الاقتصادية التي، إذا استُخدمت، ستحرم الصين من المستهلكين الخارجيين الذين تحتاج إليهم للحفاظ على استراتيجية نموّها القائمة على فائض الطاقة الإنتاجية والمدفوعة بالصادرات. وفي أفضل السيناريوهات، يشكّل هذا المقترح وسيلة أوروبا لردع الإكراه الاقتصادي الصيني وتعزيز أوراق قوّتها التفاوضية، مع إدراك أن التفاوض من موقع ضعف نادرًا ما يفضي إلى نتيجة مرغوبة.
للتحوّل الألماني في الموقف من الصين تداعيات على الأمن القومي، لكنه مدفوع بمجموعة أكثر تعقيدًا من الدوافع. فقد أسهم تفريغ القاعدة الصناعية الألمانية من مقوّماتها – كما حدث في الولايات المتحدة وفي أنحاء أوروبا الغربية – في صعود التيارات السياسية الشعبوية اليمينية، وهو صعود يحمل دلالات تاريخية خاصة في ألمانيا. والسؤال المطروح على ميرتس، وعلى بقية أوروبا، هو ما إذا كانت تحوّلات كهذه في المواقف غير كافية ومتأخرة.
ستواجه إدارة ترامب والإدارات الأميركية المقبلة مجموعة من القضايا المرتبطة بالصين – من تايوان إلى الذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية. وقد يثبت أن وجود حلفائنا إلى جانبنا، بدلًا من بقائهم على الهامش، ذو قيمة لا تُقدّر بثمن. هنا، ينبغي ألّا نستبق الأمور. لكن مقترح ماكرون وميرتس يمثّل مؤشرًا إيجابيًا على أن أوروبا تتحرّك في الاتجاه الصحيح. لكن، هل ستكون الولايات المتحدة على الموعد؟
ترجمة بتصرّف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
