لم يكن قانون العفو العام رقم 70/2026 مجرّد نصّ يرمي إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون أو معالجة ملفات قضائية مهملة طال انتظار تحقيق العدالة فيها. فقد أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا في الحياة الدستورية اللبنانية، يتعلّق بمدى قدرة الدولة على معالجة إخفاقات مرفق العدالة في إقامة العدل عبر إسقاط المسؤولية الجزائية. فهل يمكن لهذا العلاج، مهما بدا مبرّرًا، أن يتحوّل إلى وسيلة لإدامة الإخفاق نفسه مرارًا وتكرارًا؟
في قراره الصادر في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، اختار المجلس الدستوري مسارًا بالغ الدلالة. فلم يُبطل القانون برمّته، ولم يتركه على حاله، بل أبقاه نافذًا في الأجزاء التي لم يُبطلها، وأخضع أحكامًا أخرى لتحفّظات تفسيرية ملزمة تعيد رسم حدود تطبيقه.
ويعبّر ما فعله المجلس الدستوري عن تصوّر محدّد للرقابة الدستورية، يمكن بموجبه إزالة المخالفة من خلال تفسير ملزم يحفظ اتّساق النصّ مع الدستور والالتزامات الدولية، فلا يكون الإبطال الشامل بالضرورة الوسيلة الوحيدة لحماية الشرعية الدستورية.
لكن نجاح هذا المسار لا يُقاس بقدرته على إبقاء القانون قائمًا فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تقييم مستقبلي لمدى قدرة التفسير الذي فرضه المجلس على تغيير النتائج العملية للقانون، ومنع تحوّله إلى مظلّة لإعفاء أشخاص أو جرائم كان ينبغي أن تبقى خاضعة للمساءلة.
العفو ليس سلطة مطلقة للمشرّع
أهمّ ما يُحسب للقرار أنه لم يتعامل مع العفو العام باعتباره شأنًا سياسيًا محضًا يخرج، من حيث المبدأ، عن كلّ رقابة موضوعية، بل أخضع نطاقه لمقتضيات دستورية والتزامات دولية لا يجوز تجاهلها.
فالعفو العام، وإن كان أداة تشريعية مشروعة في ظروف معيّنة، لا يعني أن إرادة الأكثرية النيابية تكفي وحدها لتبرير كلّ أثر يترتّب عليه. فثمّة فارق بين عفو يستهدف معالجة ظلم محدّد أو اختلال قضائي استثنائي، وعفو واسع قد يؤدّي، بسبب اتّساع نطاقه وغموض استثناءاته، إلى تعطيل المساءلة عن أفعال تمسّ الحقوق الأساسية والمصلحة العامة.
وقد تجلّى الجانب الأكثر أهمية في القرار عند معالجة جرائم الفساد. فبدلًا من الاكتفاء بحصر الجرائم المستثناة من العفو بما ورد حرفيًا في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية، قرّر المجلس أن الاستثناء يجب أن يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين النافذة والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، سواء في القطاع العام أو الخاص، وأن يمتدّ إلى جميع المتورّطين فيها، بصرف النظر عن صفاتهم وأدوارهم.
وهذه ليست ملاحظة تفسيرية هامشية. إنها تعيد تحديد النطاقَين الموضوعي والشخصي للاستثناء، وتمنع أن يؤدّي ضيق الصياغة التشريعية إلى إعفاء بعض صور الفساد أو بعض المشاركين فيها. والأهمّ أن المجلس لم يقف عند حدود الملاحقة الجزائية.
فقد أكّد القرار أن العفو لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضرّرة، ولا دون المصادرة واسترداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد.
ومن أقوى النقاط التي أرساها القرار تأكيد إمكان الفصل بين الآثار الجزائية للعفو أو تخفيض العقوبة، من جهة، وبقاء حقوق الدولة المالية وإمكان استرداد الأموال غير المشروعة، من جهة أخرى. فليس من المقبول قانونًا أن يتحوّل العفو، حتى حيث يكون جائزًا، إلى سند لاكتساب حصانة مالية، أو إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على أموال متأتّية من الجريمة.
الفساد يفرض ملاحقة جميع المتورّطين
تكتسب معالجة المجلس لجرائم الفساد أهمية إضافية؛ إذ أدرك طبيعتها التبادلية. فالفساد لا يقع دائمًا بفعل الموظّف العام وحده، بل تتداخل فيه أدوار الراشي والوسيط والمستفيد والشريك والمتدخّل، وقد تتوزّع هذه الأدوار بين القطاعين العام والخاص.
ولو اقتصر الاستثناء من العفو على الموظّف العام، بينما استفاد الطرف الآخر في العملية نفسها من إسقاط الملاحقة، لأمكن أن تنشأ نتيجة تناقض المساواة والمنطق القانوني معًا.
ومن هنا، فإن توسيع الاستثناء ليشمل جميع المتورّطين، أيًّا كانت صفاتهم، يشكّل ضمانة أساسية
لا عفو عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري
من أكثر الجوانب أهمية في القرار تأكيده أن كلّ فعل يشكّل جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، أو تعذيبًا، أو إخفاءً قسريًا، يجب أن يبقى خارج نطاق العفو.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يتجاوز حدود التسمية التي اعتمدها النصّ التشريعي. فقد لا تكون الوقائع موصوفة صراحةً في الملف الجزائي بهذه الأوصاف الدولية، لكن ذلك لا يبرّر اعتبارها مشمولة بالعفو إذا كانت، من حيث طبيعتها وعناصرها القانونية، تشكّل إحدى تلك الجرائم.
وهذا يفرض على القضاء النظر في حقيقة الأفعال، وعدم الاكتفاء بالوصف الأوّلي أو بعنوان الجرم الوارد في ملف الدعوى.
وفي بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بالحرب والمفقودين والإخفاء القسري والتعذيب، ليست هذه المسألة تقنية فحسب؛ فهي تتّصل بحقّ المجتمع في معرفة الحقيقة، وبحقّ الضحايا وذويهم في ألّا تتحوّل التسويات التشريعية إلى جدار يحول دون مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذا المبدأ وافتراض أن كلّ فعل ارتُكب خلال الحرب يشكّل تلقائيًا جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية. فهذه الأوصاف تخضع لشروطها القانونية، ويظلّ إثبات الوقائع وتكييفها من اختصاص القضاء. لكن متى توافرت عناصر الجريمة الدولية المعنيّة، لا يجوز أن يكون العفو طريقًا إلى إسقاط المسؤولية عنها.
اجتهاد دستوري متقدّم
يبرز هنا السؤال الأكثر دقّة في تقييم القرار. لقد اختار المجلس أن ينقذ القانون من الإبطال الكلّي عبر فرض تحفّظات تفسيرية ملزمة، مستندًا إلى أن المخالفات التي تناولها يمكن تداركها بتفسير النصّ وفقًا للدستور والاتفاقيات الدولية. ولهذا الاختيار منطق قانوني معتبر.
فالإبطال الشامل قد يعيد فتح ملفات إنسانية حقيقية، وقد يحرم أشخاصًا طال توقيفهم من دون محاكمة من تدبير تشريعي قُصد به معالجة جانب من معاناتهم. كما أن إبطال القانون كلّه لا يضمن، بحدّ ذاته، إصلاح القضاء أو تخفيف الاكتظاظ في السجون. لكن لهذا المسار حدوده أيضًا.
فعندما تصبح دستورية النصّ مرتبطة بإعادة تعريف نطاق الاستثناءات وتوسيعها لتشمل جرائم لم تكن واضحة في الصياغة التشريعية، يطرح السؤال نفسه: إلى أيّ مدى يفسّر المجلس القانون، ومتى يصبح التفسير أقرب إلى إعادة بنائه؟
ولا يكفي، للتمييز بين الحالتين، أن يوصف التحفّظ بأنه ملزم. بل يجب النظر في مدى إمكان استخلاص التفسير من النصّ نفسه، وفي ما إذا كان المجلس يزيل غموضًا قابلًا للتأويل، أم يستبدل بالاختيار التشريعي اختيارًا آخر.
في الحالة الراهنة، قدّم المجلس الدستوري سندًا واضحًا لتفسيره المتعلّق بالفساد، مستندًا إلى أحكام القانون ذاته وإلى الالتزامات الدولية للبنان. ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى تدقيق قضائي لاحق في كيفية تطبيق هذه التحفّظات على الوقائع الفردية، منعًا لاختلاف التفسيرات بين المحاكم أو اختزال القرار في عبارات عامة لا تنتج أثرًا فعليًا.
لقد أدّى المجلس وظيفة دستورية مهمّة، لكنه لم يضع نهاية لجميع الإشكالات التي أثارها القانون، بل نقل جزءًا منها من مرحلة الرقابة على النصّ إلى مرحلة تطبيقه.
التصويت النيابي وتحوير النصّ
لم تقتصر أسباب الطعن على مضمون العفو، بل شملت سلامة المسار التشريعي نفسه، لجهة احترام آلية التصويت المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور، والادّعاء بحدوث تحوير في النصّ بعد التصويت عليه.
وفي مسألة التصويت، سجّل المجلس أن محضر الجلسة أشار إلى طرح القانون على التصويت بالمناداة على الأسماء، لكن التسجيل الصوتي أظهر أن رئيس الجلسة قطع المناداة، وأن اعتراضًا صدر عن إحدى النائبات على وصف ما جرى بأنه تصويت بالمناداة.
ومع ذلك، ردّ المجلس هذا السبب، مستندًا إلى اجتهاد سابق وإلى عدم ثبوت اعتراض على النصاب أو على نيل القانون الأكثرية المطلوبة. ويمكن تفهّم الحرص على عدم إبطال قانون ما لم تثبت مخالفة ذات أثر دستوري، وفق المعايير التي يعتمدها المجلس.
لكن هذه المسألة تثير سؤالًا مؤسسيًا لا يجوز التقليل من شأنه: هل تكفي سلامة النتيجة العددية لتجاوز خلل في الآلية التي فرضها الدستور لضمان علنية التصويت وشفافيته؟
إن التصويت بالمناداة ليس مجرّد طريقة لتسجيل الأصوات، بل هو وسيلة لإسناد المسؤولية السياسية عن القرار إلى كلّ نائب، وتمكين الرأي العام من معرفة مواقف ممثّليه. ولذلك، فإن التعامل مع هذه القاعدة بوصفها ضمانة جوهرية ينبغي أن يظلّ متّسقًا مع مستوى الحماية الفعلية التي يمنحها المجلس لها في اجتهاده.
أما في مسألة تحوير النصّ، فقد رأى المجلس أن الطاعنين لم يقدّموا الصيغ السابقة اللازمة لإثبات الاختلافات المدّعاة، ولم يحدّدوا، بالقدر الكافي، مواضع الخلل الدستوري. وهذا استنتاج يمكن الدفاع عنه من زاوية عبء الإثبات وحدود الملف المعروض على القضاء الدستوري.
لكن المسألة لا تنتهي عند ردّ هذا السبب؛ فالشكوك المتعلّقة بمسار النصّ التشريعي، متى أُثيرت بصورة جدّية، تستدعي من المؤسسات المعنيّة أعلى درجات الشفافية في حفظ النسخ ومحاضر الجلسات والتعديلات. فالثقة في القانون لا تقوم على سلامة النصّ المنشور وحده، بل أيضًا على إمكان التحقّق من أن النصّ الذي صدر هو النصّ الذي أقرّته السلطة التشريعية وفق الأصول.
وهنا ينبغي الفصل بين أمرين: عدم كفاية الإثبات لإبطال القانون في المراجعة المعروضة، واعتبار كلّ ما أُثير بشأن المسار التشريعي خاليًا من الأهمية المؤسسية. فالأوّل حكم قضائي محدّد، أما الثاني فلا يُستنتج منه.
حقوق الضحايا ليست تفصيلًا في قانون العفو
من أبرز ما كشفه القرار أن العفو العام لا يمسّ علاقة الدولة بالجاني وحدها، بل يمتدّ أثره إلى الضحية وحقوقها الشخصية والمدنية، وإلى الدولة حين تكون متضرّرة من الجريمة.
وقد تدخّل المجلس في المادة الثالثة من القانون، فأبطل عبارة تربط الاستفادة من تخفيض العقوبة باتّخاذ المتضرّر صفة الادّعاء الشخصي قبل الأول من آذار/مارس 2026. كما وضع تفسيرًا ملزمًا يوضّح نطاق شرط إسقاط الحقّ الشخصي في جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بظروف مشدّدة.
وتكشف هذه المعالجة عن إشكال جوهري؛ فلا يجوز أن يتوقّف حقّ المتضرّر في الاستفادة من الحماية القانونية على تاريخ إجرائي قد لا يكون في وسعه التحكّم فيه، ولا سيما عندما ترتبط إمكانية الادّعاء بمسار الدعوى أو بصدور حكم قضائي.
لكن يبقى مبدأ آخر لا يقلّ أهمية: فالعفو عن العقوبة الجزائية لا يعني بالضرورة إسقاط حقوق الضحية المدنية، ولا يبرّر تجاهل الضرر الذي أصابها.
إن أيّ قراءة للقانون تتعامل مع الإفراج عن المحكوم عليه باعتباره نهاية للنزاع تتجاهل أن العدالة لا تُختزل في مدّة السجن. فقد يبقى للمتضرّر حقّ في التعويض أو استرداد مال، أو في تقديم مطالبة مدنية، بحسب طبيعة القضية والقواعد القانونية المنطبقة عليها.
وإذا كان المجلس قد أكّد صون حقوق الغير في تفسيره للمادة الأولى، فإن مسؤولية المحاكم تكمن في ضمان ألّا تتحوّل هذه الحقوق إلى مجرّد اعتراف نظري لا يجد طريقه إلى التنفيذ.
ما الذي سيحدث في المحاكم؟
لم ينتهِ الجدل بصدور القرار. بل بدأت الآن مرحلة مختلفة، سيكون فيها للقضاء دور حاسم في تحديد الآثار العملية للقانون.
فقد وحّد المجلس، في ما يتعلّق بالجرائم المشمولة بالعفو، الحدّ الزمني المعتمد، محدّدًا إيّاه بالأول من آذار/مارس 2026، وأبطل العبارات التي كانت تسمح بقراءة مختلفة لتاريخ ارتكاب بعض الجرائم المتعلّقة بالمخدّرات وزراعتها.
كما فرض تفسيرات محدّدة لمفهوم التكرار، ولجرائم التزوير، ولعدد من الاستثناءات الأخرى. وقد حسم المجلس أيضًا نطاق استثناء جرائم التزوير، معتبرًا أنه يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات، بما يمنع حصر الاستثناء في صور محدّدة منها.
كذلك عالج القرار مسألة إلغاء عقوبة الإعدام بقانون سابق، موضّحًا أن البند المتعلّق باستبدالها بعقوبة السجن لمدّة ثمانٍ وعشرين سنة لا يعيد إحياء العقوبة الملغاة، بل يُطبَّق على الجرائم والمحكومين الذين تناولهم النصّ، ضمن الإطار القانوني المحدّد.
وتجعل هذه التعديلات والتفسيرات قراءة القانون بصيغته الأصلية وحدها غير كافية. فالمحاكم مطالبة بتطبيقه وفق الصيغة التي استقرّ عليها بعد الإبطال الجزئي والتحفّظات التفسيرية الملزمة، لا وفق انطباعات سياسية عن المستفيدين منه، أو قراءات صحافية لنطاقه.
ومن المتوقّع أن تتركّز المنازعات العملية على مسائل من قبيل: تاريخ ارتكاب الجرم، ومدى توافر التكرار وفق مفهومه القانوني، وما إذا كانت الوقائع تشكّل إحدى الجرائم المستثناة، وما إذا كان الفعل يندرج ضمن جرائم الفساد أو الجرائم الدولية التي أكّد المجلس إخراجها من نطاق العفو.
ومن الضروري هنا تجنّب توقّعات جازمة بشأن عدد الأشخاص الذين سيُفرج عنهم أو توقيت الإفراج عنهم. فذلك يتوقّف على مراجعة الملفات الفردية، والأحكام الصادرة، والوضع الإجرائي لكلّ شخص، ومدى انطباق النصّ بعد تفسيره الدستوري.
والأهمّ أن يبقى الإفراج نتيجة لتطبيق القانون على كلّ ملف، لا نتيجة لتسوية سياسية أو ضغط اجتماعي أو افتراض مسبق بأن فئة بعينها تستحقّ العفو أو لا تستحقّه.
أزمة السجون لا تبرّر استمرار أزمة العدالة
لا يمكن، في المقابل، قراءة القرار بمعزل عن الأسباب التي دفعت إلى إقرار القانون. فالتوقيف الاحتياطي الطويل، وتأخّر المحاكمات، واكتظاظ السجون، والظروف الإنسانية الصعبة للمحتجزين، كلّها مسائل تمسّ جوهر دولة القانون.
إن احتجاز شخص لسنوات طويلة من دون محاكمة سريعة وفعّالة ليس مجرّد مشكلة إدارية. إنه يمسّ قرينة البراءة، والحقّ في الحرية، والحقّ في المحاكمة ضمن مهلة معقولة. ولا يجوز أن تتحوّل أوجه القصور في عمل المؤسسات إلى عقوبة فعلية يتحمّلها الموقوف قبل صدور حكم بحقّه.
ومن هذه الزاوية، لا يصحّ اختزال الاعتراض على قانون العفو في رفض الإفراج عن السجناء، كما لا يصحّ اعتبار كلّ اعتراض على القانون دفاعًا عن استمرار الاكتظاظ أو إنكارًا للمظالم القضائية. فالمجتمع اللبناني يواجه حقيقتين في آن واحد: وجود أشخاص قد تكون حقوقهم قد انتُهكت بسبب التأخّر في المحاكمة أو طول التوقيف، ووجود ضحايا وأسر ومؤسسات عامة قد تتضرّر من إسقاط الملاحقات في جرائم خطيرة.
والعدالة التي تعالج الحقيقة الأولى وتتجاهل الثانية ليست عدالة مكتملة. كما أن العدالة التي تتمسّك بالعقوبة وتتجاهل شروط المحاكمة العادلة تفقد، هي الأخرى، أساسها القانوني. لذلك، ينبغي ألّا يتحوّل العفو إلى سياسة دورية لمعالجة ما تعجز الدولة عن إصلاحه.
فكلّ عفو لا يترافق مع إصلاح القضاء والسجون، وتسريع المحاكمات، وضمان استقلال القضاة، وتطوير إدارة الملفات الجزائية، يظلّ معرّضًا لأن يكون استراحة مؤقتة قبل عودة الأزمة.
الدرس الاجتماعي الأعمق
ثمّة فرق بين أن يتوافق السياسيون على قانون، وأن يقتنع المجتمع بأن هذا القانون عادل.
قد يكون التوافق النيابي كافيًا لإقرار النصّ وفق الأصول، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج الثقة الاجتماعية، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بجرائم متفاوتة الخطورة، وبضحايا لا تتساوى قدرتهم على الوصول إلى القضاء، وبفئات تشعر بأنها تحمّلت أعباء انهيار مؤسسات الدولة أكثر من غيرها.
ولهذا، فإن التحدّي الذي يواجه لبنان لا يتمثّل فقط في معرفة من سيستفيد من العفو، بل أيضًا في معرفة ما إذا كانت معايير الاستفادة ستُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه من الوضوح والمساواة.
فإذا استطاع القانون، بعد تفسيره الدستوري، أن يصحّح أوضاع موقوفين طال أمد محاكماتهم، من دون أن يحجب المساءلة عن جرائم الفساد أو الانتهاكات الجسيمة، فقد يفتح بابًا لمعالجة بعض المظالم.
أما إذا أدّى تطبيقه إلى تفاوت في المعاملة أو إلى نزاعات لا تنتهي حول نطاق الاستثناءات، فإن أثره الاجتماعي قد يكون مناقضًا للغاية المعلنة منه.
لن تتحقّق المصالحة الاجتماعية بمجرّد إغلاق الملفات. إنها تتطلّب وضوحًا في تحديد الغاية من العفو، ومساواة في تطبيقه، وصونًا لحقوق الضحايا، واستعادة للأموال العامة حيث يجيز القانون ذلك، وإصلاحًا للمؤسسات التي أدّى ضعفها إلى نشوء الأزمة أصلًا.
إن المجتمع الذي لا يعرف لماذا عفا، وعن أيّ أفعال عفا، وما الحقوق التي بقيت محفوظة، يصعب أن ينظر إلى العفو باعتباره خطوة نحو العدالة. وقد يراه، بدلًا من ذلك، دليلًا جديدًا على أن الوصول إلى القانون يتوقّف على ميزان القوة، لا على قاعدة عامة.
ما المتوقّع بعد القرار؟
يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات عملية من قرار المجلس الدستوري.
أولًا، إن القانون لم يسقط، لكن تطبيقه لم يعد ممكنًا بمعزل عن التفسيرات الملزمة التي وضعها المجلس والإبطالات الجزئية التي أجراها. وبالتالي، فإن كلّ جهة إدارية أو قضائية معنيّة بتنفيذه ملزمة باحترام الحدود التي رسمها القرار.
ثانيًا، إن استثناء جرائم الفساد بات أوسع من القراءة الحرفية الضيّقة التي قد تُستخلص من البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية. فلا يجوز حصره في فئات محدّدة من الجرائم أو في أشخاص يشغلون مواقع عامة، كما لا يجوز اعتبار العفو مانعًا من تحصيل حقوق الدولة أو من اتخاذ إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد.
ثالثًا، إن القرار لا يعفي الدولة من واجب الإصلاح. فالمجلس الدستوري يمارس الرقابة على دستورية التشريع، ولا يستطيع، بقراره وحده، معالجة التأخّر في المحاكمات، أو إعادة بناء إدارة السجون، أو ضمان استقلال القضاء في كلّ ملف، أو استرداد الأموال العامة من دون إجراءات قضائية وتنفيذية فعّالة.
وعلى اللبنانيين أن يتوقّعوا مرحلة من التدقيق في الملفات الفردية، وربما خلافات قضائية بشأن بعض الوقائع وتكييفاتها القانونية، إلى جانب ضغط اجتماعي متجدّد من المتضرّرين المطالبين بحقوقهم.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المرحلة بوصفها خللًا في حدّ ذاتها؛ فالتطبيق القضائي المتأنّي هو الطريق الطبيعي لتحويل المبادئ الدستورية إلى نتائج عملية، شرط أن يجري ضمن مهلة معقولة وبمعايير موحّدة.
لكن المؤشّر الأهمّ لن يكون عدد الأشخاص الذين سيخرجون من السجون وحده، ولا عدد الملفات التي ستُقفل. بل سيكون المؤشّر الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة ستستفيد من هذه اللحظة لإصلاح أسباب الأزمة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
القرار ضبط حدود العفو، لكن ماذا عن استعادة الثقة؟
لقد وضع المجلس الدستوري، بقراره الصادر في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قيودًا جوهرية على تفسير قانون العفو العام. وأكّد أن العفو لا يجوز أن يتحوّل إلى حصانة من المساءلة عن أيّ صورة من صور الفساد، أو إلى وسيلة لإهدار حقوق الدولة، أو إلى غطاء لإسقاط المسؤولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري.
وفي الوقت نفسه، اختار المجلس عدم إبطال القانون برمّته، بل الإبقاء عليه بعد تصحيح بعض أحكامه وإخضاع أحكام أخرى لتحفّظات تفسيرية ملزمة. وهو خيار يعكس محاولة للموازنة بين حماية الشرعية الدستورية وتجنّب إسقاط تدبير تشريعي يرتبط، في جانب منه، بأزمة إنسانية وقضائية حقيقية.
لكن يبقى مجال للنقاش حول مدى كفاية التفسير الملزم لمعالجة عيوب التشريع، وحول قدرة آليات الرقابة الدستورية على ضمان احترام القواعد الإجرائية في العمل النيابي، وحول ما إذا كانت المؤسسات ستترجم ما قرّره المجلس إلى ممارسة قضائية متّسقة.
في المحصّلة، لم يمنح القرار لبنان جوابًا نهائيًا عن معنى العدالة، لكنه رسم حدودًا قانونية لا ينبغي تجاوزها في سبيل تحقيقها. فالعفو قد ينهي العقوبة في حالات يحدّدها القانون، لكنه لا يمحو الضرر تلقائيًا، ولا يردّ الأموال العامة، ولا يكشف الحقيقة، ولا يعيد بناء الثقة بالمؤسسات.
ولن تستطيع دولة القانون أن تطلب من المجتمع أن ينسى قبل أن تضمن له أن القانون سيُطبَّق بعدل، وأن الضحايا لن يُتركوا خارج المعادلة، وأن السلطة لن تتحوّل إلى ملاذ لمن يملك القدرة على الإفلات من المساءلة.
لقد بات السؤال، بعد قرار المجلس الدستوري، أقلّ تعلّقًا بمصير قانون واحد، وأكثر اتّصالًا بمصير قاعدة أساسية في الدولة: هل يكون العفو استثناءً مضبوطًا تفرضه العدالة، أم يصبح بديلًا عن عدالة لم تنجح السلطة القضائية في تحقيقها؟
لن يكتب القرار وحده الإجابة. بل ستكتبها المحاكم في قراراتها، والإدارات في أدائها، والسلطة التشريعية بمدى استخلاصها ضرورة الإصلاح من هذه الأزمة، والمجتمع بقدرته على المطالبة بعدالة لا تنتقي ضحاياها ولا تستثني أصحاب النفوذ من قواعدها.
فالدولة لا تستعيد ثقة مواطنيها بمجرّد أن تعفو، بل تستعيدها حين تثبت أن العفو لن يكون، مرّة أخرى، بديلًا من واجب تطبيق أحكام القانون.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
