ثمة مفارقة تقع في صميم الابتكار، ولم أتمكن بعد من فكّ طلاسمها. فعندما ننظر إلى الماضي، يبدو الابتكار حتميًا، ومن ثم قابلًا للتنبؤ: ما إن تُخترع الطائرة المسيّرة حتى تتغير طبيعة الحرب؛ وما إن يُخترع الإنترنت حتى تظهر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وما إن تُكتشف الكهرباء حتى يصبح ظهور المصباح الكهربائي أمرًا لا مفر منه. لكن عندما نتطلع إلى المستقبل، نجد أن أحدًا لا يرى هذه التحولات وهي في طريقها إلينا.
فتّش في كتابات خبراء الدفاع قبل عشر سنوات فقط، وستجد أن قلة منهم أدركوا مدى التغيير الذي كانت الطائرات المسيّرة ستُحدثه في طبيعة الحرب. وتَعمّق في أعمال رواد الإنترنت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فلن تجد تقريبًا أحدًا توقّع الربحية التي ستحققها محركات البحث، ناهيك بوسائل التواصل الاجتماعي. واقرأ تأملات خبراء الحمض النووي في سبعينيات القرن العشرين، فلن تعثر بينهم على من استشرف أن تؤدي الاستخدامات الجنائية لبصمة الحمض النووي إلى إحداث تحول جذري في منظومة العدالة الجنائية.
ومع ذلك، يكاد كل اختراع عظيم يكون محاطًا بنزاعات بين متنافسين يدّعي كل منهم أنه توصّل إليه بصورة مستقلة؛ من التلغراف إلى التحرير الجيني بتقنية “كريسبر”. والتزامن في الاختراع هذا يوحي بإمكان التنبؤ به. لكن أين هي تلك التنبؤات؟
كتب أحد زملائي عام 1990 تقريرًا مطولًا لمجلة “ذي إيكونوميست” عن مستقبل الاتصالات، لكنه لم يذكر الهواتف المحمولة. وكنت عضوًا في لجنة الذكاء الاصطناعي التابعة لمجلس اللوردات، التي أعدّت عام 2018 تقريرًا عن الذكاء الاصطناعي وصفه بعضهم بأنه جيد إلى حدّ ما، ومع ذلك لن تجد في تقريرنا عبارة “النموذج اللغوي الكبير” على الإطلاق، وذلك قبل أربع سنوات فقط من تغيير “تشات جي بي تي” للعالم بأسره.
يدفع عدم القدرة على التنبؤ هذا بعض الأشخاص الأذكياء للغاية إلى قول أشياء شديدة الغباء، عندما يُستدرجون إلى الحديث عن المستقبل. فقد وصف إرنست رذرفورد، العالم الذي شطر الذرة، الحديث عن الطاقة النووية عام 1933 بأنه “هراء”. وقال كين أولسن، مؤسس ورئيس شركة “ديجيتال إكويبمنت كوربوريشن”، التي كانت أنجح شركات الحاسوب في ذلك الوقت، عام 1977: “لا يوجد أي سبب يدعو أي فرد إلى امتلاك جهاز حاسوب في منزله”.
بدوره، كتب الاقتصادي بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل، عام 1998: “بحلول عام 2005 تقريبًا، سيتضح أن تأثير الإنترنت في الاقتصاد لم يكن أكبر من تأثير جهاز الفاكس”. وقال ستيف بالمر، من شركة “مايكروسوفت”، عام 2007: “لا توجد أي فرصة لأن يتمكن هاتف “آيفون” من الاستحواذ على حصة سوقية ذات شأن”.
لهذا السبب، أصرّ على أنه لا وجود لما يسمى “خبيرًا في المستقبل”، وأن واضعي النماذج الذين يدّعون خلاف ذلك لا يتفوقون، في كثير من الأحيان، إلا بقليل على أولئك الذين كانوا يمارسون العرافة من خلال فحص أحشاء الدواجن. فالأنظمة الديناميكية المعقدة، مثل الاقتصاد أو الطقس أو الأوبئة، ليست قابلة لتوقعات تشبه الاستشراف الحقيقي، مهما بلغت درجة التعقيد الرياضي المستخدم في بناء النماذج. مثلًا، في دراسته التي امتدت عشرين عامًا لتنبؤات الخبراء في الاقتصاد، بيّن فيليب تيتلوك أن الخبير المتوسط لم يكن أفضل في توقّع ما سيحدث مستقبلًا من “شمبانزي يرمي السهام عشوائيًا”.
صحيح أن ثمة أشخاصًا يطلقون، على طريقة نوستراداموس، عبارات غامضة ومقتضبة تصيب الهدف بالمصادفة من وقت إلى آخر. لكن، وكما أسلفت، ما زلت أجد صعوبة في التوفيق بين عدم قابلية المستقبل للتنبؤ وحتمية الابتكارات التي تتبع بعض الاختراعات.
تتمثل إحدى طرائق حل هذه المفارقة، اقتداءً بفريدريش هايك، في تذكّر أن المعرفة موزعة في أنحاء المجتمع؛ فهي موجودة بين عقولنا وفي العلاقات القائمة بينها بقدر وجودها داخل كل عقل على حدة. إذ إن حكمة الجماعات هي التي تقرر متى وكيف تُستخدم التكنولوجيا الجديدة – وهي أكثر حكمة مني ومنك ومن إرنست رذرفورد.
كما يتمثل حل آخر في الاستعانة بما أسميه “دورة أمارا للضجيج التكنولوجي”، نسبة إلى روي أمارا، عالِم حاسوب في وادي السيليكون خلال ستينيات القرن الماضي. من شبه المؤكد أن الأخير لم يكن أول من أطلق هذه الفكرة، لكنه كان واحدًا ممن عبّروا عنها بأوضح صورة: نحن نقلّل من تقدير تأثير التكنولوجيا الجديدة على المدى الطويل، لكننا نبالغ في تقديرها على المدى القصير.
لذا، نشعر في كثير من الأحيان بخيبة أمل من التأثيرات المبكرة لاختراع ما، كما حدث مع كروغمان والإنترنت مثلًا، لكننا نفاجأ بتأثيره لاحقًا. وبعبارات أكثر تقنية، فإن تبنّي الابتكار وتطوره لا يسيران في مسار خطي؛ إذ يبدآن ببطء، ثم ينطلقان فجأة. وهذا بطبيعته أمر يصعب التنبؤ به.
وبصورة أعم، أعتقد أن نظرية الفوضى مفيدة في هذا السياق. فالابتكار الذي يغيّر العالم في نهاية المطاف يشبه المثال الشائع عن جناح فراشة يرفرف في غابات الأمازون، متتسببًا في هبوب إعصار في المحيط الأطلسي. ومصطلح “أثر الفراشة”، الذي صاغه عالِم الأرصاد الجوية إدوارد لورنتز عام 1961، يشير إلى أن أحداثًا صغيرة قد تؤدي إلى نتائج هائلة وغير قابلة للتنبؤ.
في الواقع، لا أحد، مهما بلغ ذكاؤه، يستطيع حتى الآن توقّع النتائج التي ستترتب على الذكاء الاصطناعي التوليدي. فنحن ببساطة لا نعرف، ولا جدوى من أن نأمل بأننا سنعرف مسبقًا. جلّ المسألة أننا لن نكتشف الأمر سوى أثناء حدوثه.
ترجمة بتصرّف
بقلم / مات ريدلي – كاتب وعضو سابق في مجلس اللوردات البريطاني

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
