في بلدٍ تُرفع فيه راية مكافحة الفساد في كل مناسبة، قد تكون المفارقة الأكثر إثارة للصدمة أن تأتي المفارقة من داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون في طليعة هذه المعركة. فملف المستدعية منى غياض مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتفتيش المركزي لا يطرح مجرد خلاف على مستند، ولا مجرد شكوى إدارية بين مواطن وإدارة، بل يكشف، بحسب تسلسل القرارات والمستندات الموجودة في الملف، تناقضًا يفرض على الدولة والرأي العام طرح سؤال واضح: كيف تتعامل هيئة مكافحة الفساد مع ادعاء بالتلاعب في مستند رسمي صدر تنفيذًا لقرار كانت هي نفسها قد أصدرته؟ القصة تبدأ من قرار سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد…
لم يعد التحذير من التعامل مع أنطوان معربس قائماً على رواية فردية أو واقعة معزولة. فبعد نشر التحقيق المصوّر بشأن عمليات نصبه واحتياله بتغطية من وكيله القانوني جورج يونس، تواصل معنا عدد كبير من الأشخاص، وقدّموا روايات وشكاوى ومطالبات تتشابه في أساليبها وتفاصيلها، ما يكشف أنّ القضية أوسع بكثير مما كان ظاهراً عند النشر الأول. وبحسب آخر المستجدات القضائية، فقد صدرت بحق معربس مذكرة توقيف، كان قد سبقها قرار إحضار وذلك في قضيتين منفصلتين. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال، لا يزال معربس فارّاً من وجه العدالة. ومع تأكيد أنّ المسؤولية الجزائية النهائية لا يحدّدها إلا القضاء، فإنّ صدور هذه الإجراءات…
بعض اللحظات لا تغادر الذاكرة. تبقى معلّقة في مكان ما بين القلب والزمن، كلما استدعيناها عادت إلينا بتفاصيلها الأولى، كأنها حدثت بالأمس. وأكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة تلك التي تمسّ حريتنا، أو تعيد إلينا من غابوا خلف القضبان. كان ذلك عام 1990. بعد ست سنوات كاملة من الاعتقال، كان أبي، رحمه الله، على موعد مع الحرية. وكانت أمي على موعد معه عند بوابة المعتقل الإسرائيلي في مدينة الخليل. ارتدت أمي أجمل ما لديها من ثيابها الفلسطينية المطرزة، ورافقتنا إلى المعتقل. كانت تحمل في يدها كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا، ولم أكن أعرف ما الذي تخبئه فيه. جلست عند بوابة المعسكر، وعيناها معلقتان…