في لحظات التحول الكبرى في الشرق الأوسط، تتكشف هشاشة بعض الدول بسرعة مذهلة. لبنان اليوم يقف في قلب هذه اللحظة، وكأنه ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية. لم يعد الحديث عن توتر على الحدود أو ضربات متبادلة، بل عن واقع يتآكل فيه مفهوم السيادة تدريجيًا، بينما تتوسع الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وسط صمت دولي يثير الكثير من التساؤلات. ما يجري لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل، مع الحضور الأمريكي المباشر وغير المباشر، تحولت إلى إطار عام تتحرك داخله الجبهات الفرعية. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية المعقدة، أصبح إحدى هذه الجبهات…
عندما يستعيد اللبنانيون ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية، يتذكرون سنوات طويلة من الدم والانقسام الطائفي الحاد الذي مزّق المجتمع والدولة. كانت تلك الحرب واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ لبنان، حيث تقاتلت الأطراف المختلفة تحت شعارات متناقضة، لكن كل فريق كان يزعم أنه يقاتل دفاعًا عن لبنان كما يراه ويؤمن به. ورغم عمق الانقسام آنذاك، كان هناك قاسم مشترك غير معلن: فكرة لبنان نفسها. حتى في ذروة الصراع، بقي الانتماء إلى الوطن جزءًا من الخطاب السياسي لكل طرف، وكأن الجميع يتنافس على من يملك الرواية الأكثر إقناعًا عن «لبنان». اليوم يبدو المشهد مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فالانقسام لم يعد مجرد خلاف…
تكشف بيانات معهد الطاقة لعام 2024 (Energy Institute Statistical Report) حول كيفية حصول أكبر عشر اقتصادات في العالم على الطاقة عن خريطة عميقة الدلالة تتجاوز مجرد الأرقام، إذ إنها تعكس درجة هشاشة الاقتصادات أو صلابتها في مواجهة صدمات الطاقة المحتملة، سواء تمثلت في انقطاع الإمدادات أو في ارتفاع الأسعار. ففي عالم يشهد اضطرابات جيوسياسية متكررة في مناطق إنتاج النفط والغاز، لم يعد السؤال الاقتصادي الأساسي يتعلق فقط بتأمين الطاقة، بل بقدرة الاقتصاد على الاستمرار في العمل حتى في حال اختناق شرايين الطاقة التقليدية. تُظهر أرقام المعهد أن بعض الاقتصادات الكبرى لا تزال تعتمد بشكل كثيف على الوقود الأحفوري، بينما نجحت…