يعود لبنان اليوم إلى قلب التحوّلات الإقليمية الكبرى، لا بوصفه ساحة نزاع حدودية فحسب، بل باعتباره إحدى النقاط التي يُختبر عندها شكل التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط. فالمواجهة الدائرة على الجبهة الجنوبية لم تعد مجرّد فصل من الصراع بين إسرائيل وحزب الله، ولا قضية مرتبطة بقرارات دولية أو ترتيبات أمنية موضعية، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تدور حول توزيع النفوذ الإقليمي ورسم ملامح المرحلة التي ستلي سنوات من الحروب والاضطرابات الاستراتيجية التي غيّرت وجه المنطقة. ومن الخطأ اختزال المشهد اللبناني الراهن في إطار أمني ضيق، فالأطراف الرئيسية المنخرطة في الصراع لا تنظر إلى لبنان باعتباره هدفاً بحد ذاته، وإنما…
ثمة قاعدة راسخة في اقتصاد المنصات الرقمية مفادها أن من يتحكم في الوصول يتحكم في القيمة. وفي عالم يتسابق فيه عمالقة التقنية على السيطرة الرقمية، تقف مجموعة «بي إن سبورتس» في موقع استثنائي بين النقيضين: إمبراطورية بث رقمية تمتلك ما عجز عنه كل عمالقة الأونلاين، وهو القدرة على الحضور في الواقع الجسدي. إنها لا تكتفي بمنح حقوق البث، بل تمتلك أدوات إنفاذ تلك الحقوق حتى في أصغر مقهى، وفي أنأى قرية، وفي دول لا ينفذ القانون فيها أصلاً. هذه الخاصية وحدها تفصل «بي إن» عن مايكروسوفت وغوغل ونتفليكس وسواها. فهؤلاء يملكون الفضاء الرقمي، لكنهم لا يسيطرون على العالم المادي. أما…
«ليس كل وصف يتكرر في السياسة يصبح حقيقة في التاريخ، فالتاريخ لا يُكتب بكثرة الترداد، بل بوزن الوقائع». في إحدى المقابلات التلفزيونية، كرر أحد السياسيين اللبنانيين، وهو يستعرض قراءته لبعض المحطات التاريخية، وصف فئات أخرى من اللبنانيين بـ«الانعزاليين»، ولم يكن لافتاً في حديثه إلا الإصرار على تقديم هذا الوصف وكأنه حقيقة تاريخية راسخة، لا مجرد توصيف سياسي قابل للنقاش. في هذا السياق، تتكرر في الخطاب السياسي اللبناني، على نحو لافت، كلمة «الانعزالية»، وكأنها توصيف تاريخي ثابت لفئات أو تيارات أو مكونات لبنانية. غير أن الإشكال في هذا الاستعمال لا يكمن في حرية التعبير أو في حق الاختلاف السياسي، بل في…