قضيتُ هذا الأسبوع في صُحبة مارون عبّود، لا كقارئٍ عابر، بل كمن يقترب من نصٍّ ليرى إن كان اسمُه مكتوباً فيه. لم تكن قراءتي له تكلّفاً ثقافياً، بل تعويضاً داخلياً عن واقعٍ يضيق، وعن وطنٍ كلّما ازددتُ فهماً له ازددتُ فيه حيرة. ومع ذلك، شعرتُ منذ الصفحات الأولى أنّ بيني وبينه نسباً خفيّاً—كأنني أُكمل جملةً بدأها هو ولم يُتح لها أن تنتهي. كان يعلّم في الجامعة الوطنية، يقرأ ويكتب، ويقيس عمره بما يزرعه في عقول طلابه. وها أنا أسير في الدرب نفسه: أعلّم، أقرأ، أكتب، ثم أعود فأحسب ما تبقّى من هذا الشهر. كأنّ المهنة قدرٌ مُلحّ، نُستدعى إليه أكثر…
في كل ربيع، يجتمع محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية من مختلف أنحاء العالم في واشنطن لحضور الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بهدف مناقشة أوضاع الاقتصاد العالمي، والتنسيق في السياسات الاقتصادية الكلية، وإدارة القطاع المالي. غير أنّ الموضوع الذي هيمن على نقاشات هذا العام كان الحرب في إيران، وما خلّفته من تداعيات اقتصادية واسعة. جلستُ الأسبوع الماضي مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في جلسة تمهيدية قبيل انعقاد هذه الاجتماعات. تناولنا خلالها التوقعات الاقتصادية الكلية للصندوق، بما في ذلك أحدث تحليلاته حول تأثير الحرب على النمو العالمي والتضخم والاستقرار الاقتصادي. وقد خرجتُ من هذا اللقاء بعدد من…
في مشهدٍ يتداخل فيه الرمز بالواقع، وتستعيد فيه الذاكرة التاريخية أكثر صورها إيلاماً، يعود المسيح مجدداً—لا بشخصه، بل بدلالته—إلى درب الجلجلة. ليس صليباً يُحمل هذه المرّة، بل تمثالٌ يُنتهك، ورمزٌ يُحطَّم، وصورةٌ تختصر قروناً من الألم الإنساني الذي لم ينفكّ يعيد إنتاج ذاته في صيغٍ متبدّلة. في جنوب لبنان، تلك الأرض التي اختزنت آثار الأنبياء وخطى العابرين بين الحروب والصلوات، يبدو المشهد كأنه منسلخ من زمنٍ آخر. جندي إسرائيلي، مُثقَلٌ بأدوات القوّة ومشحونٌ بعنف المعنى، يقف أمام تمثالٍ للمسيح، فلا يرى فيه سوى مادةٍ قابلةٍ للكسر، فيما يراه آخرون تجسيداً لقيمٍ متعالية: الإيمان، والرحمة، والتسامح، والتضحية، والغفران. إن لحظة ارتطام…