يعتبر علم السياسة والعسكر أن الفوضى الميليشياوية وانتشارها غير النظامي من أخطر الظواهر التي تهدّد استقرار أي دولة تحتضنها، إذ إن خطرها يؤدي إلى تقويض السلطات المحلية ويهدّد السلم الأهلي والإقليمي والدولي. نحن اليوم أمام صراع قاتل للهوية اللبنانية وللجغرافيا اللبنانية، وتتفاقم حدّة الأزمة على أرضنا بعدما بلغ الصراع مستوى غير مسبوق، حيث بات الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي الجنوبية، وذلك بعد فشل النظام السياسي طوال سنة في كبح جماح حزب الله وتعدّيه على السيادة الوطنية وعلى الحدود بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية. على ما يبدو، تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد في ظل استمرار الاصطفافات والتجاذبات المحلية من قبل حزب…
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تتغيّر الدول دفعة واحدة، بل تُعاد صياغتها ببطء عبر سلسلة من التحوّلات المتراكمة التي تبدو في ظاهرها حلولاً لأزمات متلاحقة، لكنها في جوهرها تعيد توزيع مراكز القوة والسيطرة. ولبنان، بما يحمله من هشاشة بنيوية في اقتصاده، وتداخل في مكوناته السياسية، واعتماد عميق على الخارج في تمويله وخدماته، يشكّل أرضية خصبة لتخيّل سيناريو من هذا النوع. هذه المقالة لا تنطلق من وقائع مثبتة أو ادعاءات جاهزة، بل من قراءة افتراضية تستند إلى منطق الأزمات المركّبة: كيف يمكن لانهيار مالي، وتآكل مؤسساتي، وضغط خارجي متزايد، أن يتقاطع ليُنتج مساراً يعيد تشكيل الدولة من دون إعلان صريح أو…
قضيتُ هذا الأسبوع في صُحبة مارون عبّود، لا كقارئٍ عابر، بل كمن يقترب من نصٍّ ليرى إن كان اسمُه مكتوباً فيه. لم تكن قراءتي له تكلّفاً ثقافياً، بل تعويضاً داخلياً عن واقعٍ يضيق، وعن وطنٍ كلّما ازددتُ فهماً له ازددتُ فيه حيرة. ومع ذلك، شعرتُ منذ الصفحات الأولى أنّ بيني وبينه نسباً خفيّاً—كأنني أُكمل جملةً بدأها هو ولم يُتح لها أن تنتهي. كان يعلّم في الجامعة الوطنية، يقرأ ويكتب، ويقيس عمره بما يزرعه في عقول طلابه. وها أنا أسير في الدرب نفسه: أعلّم، أقرأ، أكتب، ثم أعود فأحسب ما تبقّى من هذا الشهر. كأنّ المهنة قدرٌ مُلحّ، نُستدعى إليه أكثر…