لا تُقاس الهدن بعدد الأيام، بل بكمية الأسئلة التي يمكن أن تُطرح. هكذا تبدو فرضية وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل: مساحة زمنية قصيرة ظاهرياً، لكنها استراتيجية بامتياز، تختزن احتمالات متناقضة بين التهدئة المؤقتة وإعادة تشكيل مسرح المواجهة. في العمق العسكري للصراع، واستناداً إلى الدروس المستقاة من الحروب، يتبيّن أن الهدن القصيرة غالباً ما تكون جزءاً من دينامية الحرب نفسها، لا خروجاً منها. إذ لا يمكن قراءة أي توقف للعمليات بمعزل عن منطق إعادة تنظيم القوى، من ترميم سلاسل الإمداد اللوجستي، وتجاوز معضلة الإنهاك القتالي التي تصيب الوحدات الأمامية. نعم، من خلال هندسة هذه المدة الزمنية القصيرة،…
في لحظات التحولات الكبرى، لا تأتي التسويات السياسية دائماً كأخبار مفرحة، بل كثيراً ما تصل مثقلة بتناقضاتها، حاملةً معها ما يمكن وصفه بـ«كأس السلام المر». هذا الوصف يكاد ينطبق بدقة على المشهد اللبناني المرتقب، حيث يلوح في الأفق واقع سياسي جديد قد يجد فيه اللبنانيون أنفسهم أمام اختبار صعب بين القبول والرفض، بين الأمل والخشية. ففي بلد كلبنان، حيث تتداخل السياسة مع الذاكرة الجماعية، وحيث لا تزال جراح الماضي حاضرة في وجدان فئات واسعة من المجتمع، لا يمكن لأي تسوية أن تمر من دون أن تثير انقساماً حاداً. هناك من سيرى في هذا التحول خطأً تاريخياً، وتفريطاً بقضايا يعتبرها جوهرية،…
إنّ ما نراه اليوم في المشهد السياسي الأميركي لا يمكن اختزاله في مجرد "تخبّط" أو "عشوائية" ناتجة عن أمزجة القادة الأميركيين، بل إنّ الغوص في أعماق الاستراتيجيات الكبرى يكشف عن بنيةٍ تحتيةٍ صلبة تُدار من خلالها الأزمات بوصفها أدواتٍ هندسية لإعادة صياغة نظام عالمي جديد. ما يظهر للرأي العام كفوضى عارمة في عهد الرئيس دونالد ترامب، أو حتى في استمرارية السياسات السابقة، ليس إلا قشرة خارجية لإدارة باردة ومحسوبة المصالح. إنّ هذه "الفوضى الخلّاقة" لم تعد نتيجة عرضية لقرارات سيئة، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط فعّالة لزعزعة التوازنات التقليدية وفتح المجال أمام واقع جيوسياسي جديد يخدم شبكة معقّدة من الفاعلين،…