منذ فجر الخليقة، وقف الإنسان أعزلَ أمام جلال الموت، يطوي في صدره لوعة الفقد، ويقتات على ذكرياتٍ تبهتُ تفاصيلها مع توالي الأيام. ولطالما كان الحزن طقسَ عبورٍ حتمي، وضرورةً بيولوجية ونفسية تُرغم الروح على تقبل غياب الأحبة، وإغلاق نوافذ الانتظار المشرعة على العدم، لتبدأ النفس رحلة التعافي الشاقة. غير أننا اليوم نقف على أعتاب حقبةٍ غير مسبوقة، لم يعد فيها الموت نهايةً حاسمة للصوت والصدى، بل بات مجرد بداية لـ "وجود افتراضي" تنسجه خوارزميات الذكاء الاصطناعي فيما يُعرف بـ "رقمنة الخلود"؛ تقنيةٌ تعدنا بلقاءٍ لا ينتهي، وتُلقي بنا في الوقت ذاته في أتون مأساةٍ نفسيةٍ لم يشهد لها التاريخ البشري…
لم تكن جلسة مساءلة الحكومة ومناقشة أدائها ثم طرح الثقة بها استثناءً في الحياة البرلمانية اللبنانية. فالسجال الحاد والاتهامات المتبادلة يمكن أن يظهرا في أي برلمان، كما أن مساءلة الحكومة ومناقشة أدائها ثم طرح الثقة بها من صميم العمل النيابي. لكن خصوصية المشهد اللبناني لا تكمن في حدّة السجال وحدها، بل في قدرته على جمع مواقف متباينة داخل فضاء سياسي واحد، ثم تحويل ما جرى إلى روايات تتنافس على تفسيره. وفي خضم ذلك المشهد، تدخل رئيس المجلس نبيه برّي لإبقاء الجلسة ضمن حدودها البرلمانية، تاركًا مساحة للمواجهة السياسية، من دون السماح لها بأن تتحول إلى انفلات كامل. وحين تجاوز السجال…
لنبدأ من الخلاصة، قبل العودة إلى الوقائع التي سبقتها. في تاريخ 19 أيلول 2025، صدر المرسوم رقم 1328 المتعلق بتعيين رئيس وأعضاء الهيئة الناظمة للاتصالات، وتضمّن ترفيع مديرة المحاسبة العامة في ملاك مديرية المالية العامة في وزارة المالية، الدكتورة رجاء الشريف، إلى الفئة الأولى، ووضعها خارج الملاك من أجل تعيينها عضواً متفرغاً في الهيئة الناظمة للاتصالات. وبموجب مرسوم مستقل، حُدّدت مخصصات أعضاء الهيئة بما يعادل نحو سبعة آلاف دولار أميركي شهرياً. وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة. فالمسألة ليست في التعيين بحد ذاته، بل في العودة إلى الملفات التي كانت مطروحة خلال تولّيها مسؤولياتها في وزارة…