حين يدخلون السلطة على أساس أنهم… «إصلاحيون»

قد يبدأ أي سياسي في العالم حياته حاملاً شعارات كبيرة عن الإصلاح، ومحاربة الفساد، واستعادة حقوق الناس، ثم لا يلبث، بعد وصوله إلى السلطة، أن يتحول تدريجياً إلى جزء من المنظومة التي تعهّد بتغييرها. وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات السياسية إيلاماً: أن يتحول الرجل الذي جاء ليحارب الفساد إلى رجل يحتاج إلى الفساد كي يحافظ على سلطته.

لا تكمن المشكلة دائماً في السياسي منذ البداية؛ فأحياناً يبدأ صادقاً، أو على الأقل مقتنعاً بأنه قادر على تغيير الواقع. لكن للسلطة منطقها الخاص؛ فهي تفتح أمام صاحبها أبواب النفوذ، وتحيط به شبكة من المصالح والمقرّبين والمستفيدين. ومع مرور الوقت، يصبح الحفاظ على هذه الشبكة أهم من المبادئ التي أوصلته إلى الحكم. وهكذا، تتحول السلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى غاية لخدمة مصالحه.

تبدو هذه الصورة مألوفة في الدول النامية والمتطورة على حدّ سواء. فمنذ عقود، يسمع الناخب شعارات الإصلاح، ومكافحة الفساد، وبناء الدولة، ثم يكتشف أن كثيراً ممن رفعوا هذه الشعارات أصبحوا جزءاً من لعبة المحاصصة نفسها. تتغير الوجوه والتحالفات والخطابات، لكن القاعدة تبقى واحدة، وهي: الوصول إلى السلطة، ثم استخدام السلطة لحماية النفوذ، ومن ثم إعادة إنتاج هذا النفوذ للوصول إلى السلطة من جديد.

والأخطر أن المجتمع نفسه قد يجد نفسه شريكاً في هذه الدائرة؛ فالزعيم لا يعيش من دون جمهور، والزبائنية لا تستمر من دون حاجة الناس إليها في ظل دولة عاجزة عن تأمين أبسط حقوقهم. عندئذٍ، يصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن «واسطة» للحصول على وظيفة أو خدمة أو إنجاز معاملة، فيما يتحول السياسي إلى وسيط بين المواطن والدولة، مع أن المفترض أن تكون الدولة هي الضامن لحقوق الجميع.

لكن المأساة لا تكمن فقط في وجود الفساد، بل في الاعتياد عليه واعتماده ثقافةً. وعندما يصبح الفساد أمراً طبيعياً، يفقد الناس قدرتهم على رفضه، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، والمساءلة إلى خصومة، والقانون إلى أداة يمكن استخدامها ضد الخصم أو تعطيلها لحماية الحليف.

لذلك، فإن الخروج من هذه الحلقة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتغيير القواعد التي تسمح بتحويل الدولة إلى ملكية خاصة. فالدولة لا تُبنى بزعيم أكثر قوة، بل بمؤسسات أقوى من الزعيم، وقانون يُطبَّق على الحليف والخصم بالقدر نفسه، ومواطن يدرك أن كرامته لا ينبغي أن تكون رهناً بعلاقته بهذا السياسي أو ذاك.

الخطر الحقيقي ليس أن يصل الفاسد إلى السلطة، فهذا يمكن أن يحدث في أي بلد، بل أن يصل إليها مَن رفع شعار الإصلاح، ثم يقنع الناس بأن الفساد ضرورة، وأن المحاسبة مستحيلة، وأن لا بديل من منظومته. عندها، لا يعود الفساد مجرّد ممارسة سياسية، بل يصبح ثقافة كاملة.

ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: «مَن سيكون الزعيم القادم؟»، بل: «كيف نمنع أي زعيم من أن يصبح أكبر من الدولة؟».

أما السؤال الأهم فهو: كيف يمكن كسر هذه الحلقة والانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات؟

لا تكمن البداية في البحث عن الزعيم المثالي، بل في بناء مؤسسات أقوى من أي زعيم، وقضاء مستقل قادر على المحاسبة، وإدارة شفافة تخضع للرقابة وتمنع تحويل المال العام إلى وسيلة للزبائنية والنفوذ.

كما أن الإصلاح يتطلب تغيير العلاقة بين المواطن والسياسي. فحين يحصل المواطن على حقوقه من الدولة، لا يعود مضطراً إلى البحث عن واسطة لدى زعيم، وعندما تصبح الانتخابات وسيلة للمحاسبة على الأداء والبرامج، لا على الخدمات والمصالح، يبدأ السياسي بإدراك أن السلطة مسؤولية وليست ملكية خاصة.

وقد يبدو الطريق طويلاً، لكنه يبدأ بخطوات واضحة: احترام القانون وتطبيقه على الجميع، وتعزيز استقلال المنظومة القضائية والمؤسسات الرقابية، والحد من تضارب المصالح والوساطات.

فالخلاص لا يحتاج إلى رجل أقوى من الجميع، بل إلى مؤسسات أقوى من أي رجل. وعندها فقط، تصبح الدولة دولة مواطنين لا دولة زعماء، ويصبح الشعار: «القانون هو الملك… ولا أحد فوق القانون».

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.