مصير جميع الحروب أن تنتهي، ولا تخرج نهاياتها عن أحد مسارين: إما أن يهزم أحد الطرفين الآخر، وإما أن يتفاوض الطرفان على تسوية. وتنطوي التسوية التفاوضية ضمنًا على إدراك أحد الطرفين، أو كليهما، أنه لا يستطيع تحقيق النصر، أو أن أي انتصار محتمل سيكون نصرًا باهظ الكلفة، وأن المعارضة الداخلية للحرب بلغت، في الوقت نفسه، حدًا من الشدة يجبر الحكومة على إنهائها، وإلا خاطرت بفقدان السلطة أو الإطاحة بها، سواء عبر صناديق الاقتراع أو من خلال التمرد.
إذا نظرنا إلى الجانب العسكري من المعادلة، نجد أن إيران لا تستطيع إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة إلى حد إجبارها على الاستسلام. فالولايات المتحدة تتفوق عليها عسكريًا، لكن تكاليف الانخراط في مواجهة كهذه ستكون كبيرة. وقد تتمكن واشنطن بالفعل من هزيمة إيران إذا كانت مستعدة لنشر مزيد من الجنود واستخدام أسلحة أشد تدميرًا، نظرًا إلى اتساع مساحة إيران وتوزع قواتها المسلحة على نطاق جغرافي واسع. ويمكن قول الكثير عن استخدام الطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة، لكنها لا تكفي لإجبار أي من الطرفين على الاستسلام.
يتطابق ذلك، من بعض النواحي، مع دروس التاريخ. فالقصف الألماني الخاطف للندن لم يجبر إنكلترا على طلب السلام. كذلك، لم يؤدِّ القصف المكثف للمدن الألمانية وغيرها من الأهداف إلى إجبار ألمانيا على الاستسلام. ولم تحسم القوة الجوية وحدها الحرب لمصلحة أي من الطرفين؛ بل كان الغزو البري الذي نفذه الحلفاء لألمانيا هو الذي أدى إلى استسلامها. بدورها، كانت هزيمة القوات اليابانية على الأرض، بدعم من القوة الجوية، تقود إلى تحقيق النصر، لكن دخول الأسلحة الذرية إلى الحرب أفضى إلى خسارة اليابان النهائية، ومن ثم اختصر أمد الحرب. وبذلك، كانت واشنطن الطرف الأقوى، غير أن واقع هذه الحرب تحديدًا فرض قيودًا كبيرة على قدرة الولايات المتحدة على استخدام تلك القوة.
كان الخوف من البرنامج النووي الإيراني هو الذي أشعل الحرب على إيران. تستطيع واشنطن إنهاء النزاع باستخدام الأسلحة النووية، لكنها خسرت حروبًا عدة منذ هيروشيما وناغازاكي من دون أن تلجأ إلى السلاح النووي. ويعود ذلك إلى أن الخطر الذي قد يهدد الولايات المتحدة نتيجة مبادرتها إلى استخدام الأسلحة النووية، في ظل امتلاك دول أخرى هذه الأسلحة أو عملها على تطويرها، وما قد يترتب على ذلك من إضفاء نوع من الشرعية على استخدامها، يشكّل تهديدًا أكبر بكثير للولايات المتحدة على المدى الطويل من قبول الهزيمة أو الجمود في الحروب التي خاضتها، من فيتنام إلى أفغانستان. وأعتقد أن هذه الحسابات لا تزال قائمة.
من ناحيتها، تسير الحرب في أوكرانيا وفق منطق مماثل. فقد قاتلت أوكرانيا روسيا حتى أوصلت الحرب إلى حالة من الجمود، وهو أمر اعتقد كثيرون، بمن فيهم موسكو، أنه مستحيل. وقد أسهمت الطائرات المسيّرة ومعلومات الاستخبارات المستمدة من الأقمار الاصطناعية في تحقيق ذلك، لكن ما يُبقي الحرب مستمرة فعليًا هو عدم انتفاض الرأي العام في أي من البلدين للمطالبة بإنهائها.
أعتقد أن هذا يشكّل نموذجًا جيدًا للتفكير في مسار تطور الحرب على إيران والكيفية التي قد تنتهي بها. ففي ظل الأسلحة المعاصرة، ليس واضحًا أن أيًا من الطرفين قادر على هزيمة الآخر. وهذا يثير سؤالًا يتعلق بما إذا كان مواطنو البلدين يريدون استمرار الحرب.
لا أستطيع التحدث باسم الرأي العام الإيراني، لكن يبدو أن الحكومة تحظى بقدر من الولاء الوطني – أو أنها، في الحد الأدنى، مصممة على منع اندلاع انتفاضة مناهضة للحرب. والمقصود هنا أنه، على الرغم من النظر إلى كثير من الإيرانيين بوصفهم معارضين للحرب، فإن عاملين يحدّان من استجابة الرأي العام.
يتمثل العامل الأول في قوة الحرس الثوري الإسلامي والخوف الذي تولّده هذه القوة. أما العامل الثاني، فهو أكثر تعقيدًا. فقد يعارض الناس الحرب، لكنهم لا يريدون أن يتعرض بلدهم للهزيمة والاحتلال. ويمكن لهذا النفور أن ينشئ روابط وطنية شديدة القوة. كذلك، قد يكون القادة موضع كراهية أو حتى احتقار، لكن حب الوطن قد يحد من التمرد على الحرب.
وفي هذا البعد تحديدًا، قد تكون الولايات المتحدة أضعف من إيران. فقد خاضت الأولى حروبًا متعددة وأخفقت في تحقيق النصر فيها، وأصبحت اليوم أكثر تشككًا حيال الانخراط في مواجهات يتعذر الفوز بها. وقد تكون العواقب الاقتصادية التي تتحملها إيران أكبر من تلك التي تتحملها الولايات المتحدة، لكن تداعيات الحرب على الأخيرة تظل كبيرة. وفي ضوء مواقف الرأي العام الأميركي، يبدو الأميركيون أقل استعدادًا لتحمل الضغوط الاقتصادية التي تفرضها هذه الحرب.
بالنظر إلى طبيعة البنية السياسية الإيرانية، يبدو من غير المرجح أن تحدد المعارضة الشعبية مسار الحرب بالنسبة إلى طهران. أما بما يخص البنية السياسية الأميركية، وإدراكها كلفة الحرب والوقت الذي تستغرقه، في مقابل انخفاض كلفة إنهائها، فأعتقد أن إيران تتمتع بمزايا كبيرة على مستوى الدوافع، ولا سيما أن حكومتها تخاطر بكل شيء. وكما ذكّرتنا أوكرانيا، يصبح الناس أكثر قدرة على تحمل الألم عندما يكون مصير وطنهم على المحك.
في بعض الأحيان، تميل الأمة، مهما بلغت حدة انقساماتها، إلى التوحد عندما تتعرض لهجوم من قوة أجنبية. وقد يكون هذا الاحتمال أشد حضورًا في إيران، بالنظر إلى كونها دولة مسلمة تتعرض لهجوم من دولة تنظر إليها بوصفها “مسيحية”. هذه النتيجة ليست مؤكدة، لكنها تظل ممكنة.
لقد استغرق الوصول إلى هذه الخلاصة البديهية شرحًا طويلًا: إذ ستتحدد نتيجة الحرب وفق مدى استعداد الرأي العام الأميركي لتحمل أعبائها، وهي أعباء أقل بكثير من تلك المفروضة على الشعب الإيراني، في حين أن ما هو معرّض للخطر بالنسبة إلى الإيرانيين أكبر بكثير. والحال أنه في النظام السياسي الأميركي، لا يُسمح بمعارضة الحرب فحسب، بل إن لهذه المعارضة تاريخًا طويلًا نسبيًا في تحديد الكيفية التي تضع بها الحروب أوزارها.
ترجمة بتصرّف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
