السيادة الحقيقية ليست أن نملك الآلة، بل ألّا تملكنا الآلة ولا مَن يملكها

على امتداد أكثر من أربعين عامًا من العمل الأكاديمي والبحثي في مجال الذكاء الاصطناعي، تابعت التحولات المتسارعة التي أحدثتها التكنولوجيا في إنتاج المعرفة، وفي موازين القوة والسيادة بين الدول، وفي بنية الاجتماع البشري. إلا أن ما نشهده اليوم يتجاوز، في تقديري، حدود التطور التقني المعتاد، ويضعنا أمام أسئلة وجودية تتعلق بمستقبل الإنسان نفسه: بعقله، وحريته، وسيادته، وعلاقته بالمعرفة، وبقدرته على تحديد شكل المجتمع والعمران اللذين يريد بناءهما.

لم يعد النقاش يدور فقط حول سرعة الخوارزميات أو كفاءة النماذج أو حجم الاستثمارات في الحوسبة. نحن أمام تحوّل عميق قد يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، وبين المعرفة والسلطة، وبين الدولة والشركات التكنولوجية الكبرى. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟ بل: ماذا نريد نحن أن نفعل بالتكنولوجيا؟ وأي إنسان، وأي مجتمع، وأي عمران نريد أن نبني بها؟

لقد حمل شهر أيلول الماضي جملة من الوقائع التي ينبغي التعامل معها بوصفها جرس إنذار حقيقيًا. فقد نجحت نماذج للذكاء الاصطناعي في حل مسائل رياضية استعصت على كبار العلماء لعقود، فيما سُجلت حادثة موثقة تجاوز فيها «وكيل ذكي» بيئة الاختبار المعزولة، وأعاد كتابة تعليماته لتفادي أمر الإيقاف.

هذه الوقائع لا تعني أن الآلة أصبحت إنسانًا، ولا تبرر الانسياق وراء المبالغات الإعلامية، لكنها تشير إلى أن الحدود التي اعتدنا وضعها بين الأداة ومستخدمها، وبين البرنامج وصانع القرار، لم تعد ثابتة كما كانت.

وفي الوقت نفسه، تكشف المواقف المتعارضة لقادة العالم حجم الانقسام حيال مستقبل هذه التكنولوجيا. فقد دعا سام ألتمان وداريو أمودي، أمام الأمم المتحدة، إلى تهدئة وتيرة التطوير وفرض أطر تنظيمية ملزمة. وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب منطق القيود، وتعامل مع السباق بوصفه «معركة جيوسياسية تُخاض بأقصى سرعة».

كما دعا البابا لاوون الرابع عشر، في منظمة اليونسكو، إلى إخضاع الخوارزميات للأخلاق، في حين حذر مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، خلال المؤتمر العالمي للإفتاء في مصر، من الأخطار التي يمكن أن تهدد كيان الأسرة.

هذه المواقف، على اختلاف منطلقاتها، تلتقي عند حقيقة أساسية: الذكاء الاصطناعي لم يعد شأنًا تقنيًا محصورًا بالمختبرات والشركات، بل أصبح قضية حضارية تمس معنى الإنسان، وحدود حريته، وطبيعة الأسرة والمجتمع، ومفهوم السيادة، ومستقبل المعرفة.

المعرفة بين امتلاك المعلومة وفقدان المَلَكة

قام جانب أساسي من تاريخ البشرية على تقسيم واضح: الإنسان ينتج المعرفة، والآلة تساعده على الوصول إليها. لكن هذا التقسيم بدأ يهتز. فالآلة لم تعد مجرد مستودع للمعلومات أو أداة لاسترجاعها، بل أصبحت قادرة على إنتاج الأجوبة، وتركيب النصوص، واقتراح الحلول، ومحاكاة أنماط من الاستدلال والتحليل.

ولا يكمن الخطر الأكبر في وفرة المعلومات، فالمعلومات لم تكن يومًا أكثر توافرًا مما هي عليه اليوم، بل في ما يمكن تسميته «التفريغ المعرفي»: أن يعتاد الإنسان طلب الجواب، من دون أن يسلك الطريق المؤدي إليه، وأن يحصل على النتيجة، من دون أن يبني القدرة العقلية التي تمكّنه من الوصول إليها بنفسه.

إن ما يهدده الذكاء الاصطناعي ليس المعرفة بمعنى المعلومات، بل المعرفة بمعنى المَلَكة؛ أي القدرة الراسخة على التفكير والتحليل والتمييز والربط والاستنباط. وهذه المَلَكة لا تُشترى، ولا تُوكَل إلى الآلة، ولا تتكون من خلال تلقي الأجوبة الجاهزة.

إذا اعتاد الطالب الحصول على الإجابة من دون أن يختبر مشقة السؤال، وإذا اعتاد الباحث تلخيص النصوص من دون قراءتها، وإذا اعتاد الإنسان اتخاذ قراراته استنادًا إلى توصيات خوارزمية لا يفهم آلياتها، فقد نصل إلى أجيال تملك وصولًا غير مسبوق إلى المعرفة، لكنها تفقد القدرة على إنتاجها وفهمها ونقدها.

من هنا، تحتاج الجامعات إلى أربعة انتقالات أساسية: الانتقال من نقل المعلومة إلى بناء المَلَكة، ومن الأستاذ الشارح إلى أستاذ الصحبة، ومن الطالب المستهلك إلى الشريك في إنتاج المعرفة، ومن الحياد التقني إلى الموقف الأخلاقي.

فالأستاذ في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكتفي بشرح ما تستطيع الآلة شرحه بسرعة أكبر، بل عليه أن يصحب الطالب في طريق التفكير، وأن يعلمه كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين المعرفة والوهم، وبين الحجة المقنعة والإجابة المصاغة بصورة مقنعة.

كما لا يجوز أن يبقى الطالب مستهلكًا للمحتوى الذي تنتجه المنصات والنماذج، بل يجب أن يتحول إلى شريك في إنتاج المعرفة، قادر على استعمال الأدوات التقنية من دون أن يتنازل لها عن عقله. وهذا ما يلتقي مع المقاربة التي قدمها الأكاديمي اللبناني الأصل جوزف عون في كتابه «عصيّون على الروبوت»، حيث تصبح القيمة الأساسية للتعليم في بناء القدرات الإنسانية التي لا يجوز اختزالها في مهام قابلة للأتمتة.

السيادة في عصر البيانات والخوارزميات

لم تعد السيادة الوطنية مقتصرة على حماية الحدود وقوة الجيوش. لقد امتدت إلى السيطرة على البيانات، واستقلالية القرار المعرفي والتقني، والقدرة على فهم النماذج المستخدمة داخل الدولة ومؤسساتها وجامعاتها واقتصادها.

الدولة التي تعتمد اعتمادًا كاملًا على خوارزميات لا تفهمها، ومنصات لا تملكها، وبيانات تحفظ خارج حدودها، ونماذج لا تستطيع مراجعتها أو تعديلها، قد تملك علمًا وحدودًا وجيشًا، لكنها تفقد تدريجيًا جانبًا أساسيًا من سيادتها.

السيادة الحقيقية ليست أن نملك الآلة فحسب، بل ألّا تملكنا الآلة ولا مَن يملكها.

لهذا تكتسب أطروحة عالم الذكاء الاصطناعي يان لوكان، بشأن حدود النماذج اللغوية وأهمية المصادر المفتوحة، قيمة استراتيجية. فالمصادر المفتوحة ليست خيارًا تقنيًا أو أكاديميًا فقط، بل قد تشكل درعًا للسيادة، لأنها تمنح الدول والجامعات والباحثين القدرة على فهم الأنظمة التي يستخدمونها وتعديلها وبناء بدائل محلية منها.

لقد بدأت دول الخليج استثمارات واسعة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة والبيانات، فيما يواجه لبنان تحديات بنيوية شديدة التعقيد. لكن امتلاك السيادة التقنية لا يقتصر على شراء أحدث الخوادم أو استيراد أقوى النماذج. فالمال يستطيع شراء الحواسيب، لكن العقول وحدها تصنع السيادة.

وتقوم السيادة الممكنة في هذا المجال على معادلة ثلاثية: أن نفهم ما نستعمل، وأن نملك البدائل، وأن نحتفظ بالقدرة على قول «لا».

أن نفهم ما نستعمل يعني ألا ندخل التكنولوجيا إلى مؤسساتنا من دون معرفة بنيتها وآلياتها ومخاطرها. وأن نملك البدائل يعني ألا نرهن الدولة والجامعة والمجتمع بمنصة واحدة أو شركة واحدة أو نموذج مغلق واحد. أما الاحتفاظ بالقدرة على قول «لا»، فيعني أن تظل لدينا حرية رفض التقنية عندما تتعارض مع قيمنا أو مصالحنا أو أمننا أو مفهومنا للإنسان.

بين التفرد التكنولوجي وما بعد الإنسانية ودولة المراقبة

تقف البشرية اليوم أمام مفترق بالغ الخطورة. فهناك من يتحدث عن «التفرد التكنولوجي»، أي اللحظة التي تتجاوز فيها قدرات الآلة قدرة الإنسان على فهمها أو السيطرة عليها. وهناك من يدفع باتجاه «ما بعد الإنسانية»، من خلال دمج الإنسان بالتكنولوجيا بصورة قد تفقده فطرته، وتحوله إلى كائن قابل للتعديل وإعادة التصميم وفق منطق السوق أو القوة أو الكفاءة.

وفي المقابل، قد تقود محاولات ضبط هذه المخاطر إلى بناء أنظمة مراقبة شمولية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، وتوقع قراراتهم، وتوجيه اختياراتهم. وهكذا، قد نجد أنفسنا بين خطر آلة تخرج عن السيطرة وخطر سلطة تستخدم الآلة لإحكام السيطرة.

لكن المشكلة، في جوهرها، ليست تقنية أو إجرائية بحتة. إنها أزمة النموذج المعرفي للحداثة الغربية، القائم على مادية تنكر الروح، وعلى إرادة قوة تتعامل مع الطبيعة والإنسان بوصفهما موردين قابلين للسيطرة والاستغلال وإعادة التشكيل.

عندما تصبح الكفاءة هي القيمة العليا، ويصبح ما يمكن تنفيذه تقنيًا مبررًا لتنفيذه أخلاقيًا، نفقد القدرة على السؤال عمّا ينبغي فعله، ونكتفي بالسؤال عمّا نستطيع فعله. وهنا تكمن بداية الخطر الحضاري.

من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستتباع الرقمي

قدّم مالك بن نبي مفهوم «القابلية للاستعمار» لتفسير كيف يمكن للضعف الداخلي أن يهيئ المجتمع لقبول الهيمنة الخارجية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، نحتاج إلى التفكير في مفهوم موازٍ هو «القابلية للاستتباع الرقمي».

لا تبدأ التبعية الرقمية حين تُفرض علينا التكنولوجيا بالقوة، بل حين نقبل استخدامها من دون فهم، ونبني مؤسساتنا على نماذج لا نملكها، ونودع بياناتنا لدى جهات لا نراقبها، ونتعامل مع استيراد أحدث الخوادم والبرمجيات بوصفه نهضة في حد ذاته.

إن شراء أحدث الخوادم والنماذج الأجنبية، من دون بناء العقل القادر على فهمها وتطويرها ومساءلتها، قد يكون تكريسًا للتبعية، لا مشروعًا للنهضة.

ولا يكمن البديل في رفض التكنولوجيا، أو الانغلاق عن العلم، أو العودة إلى الماضي. المطلوب هو إعادة إحياء العقل الذي أنتج تراثنا، لكي يصبح قادرًا، مرة أخرى، على إنتاج المعرفة والحلول. فالتراث ليس مجموعة أجوبة جامدة نستدعيها لمواجهة أسئلة جديدة، بل هو تجربة عقلية وحضارية يجب استعادة قدرتها على السؤال والاجتهاد والبناء.

نحن بحاجة إلى عقل يجمع بين الكفاءة التقنية والبصيرة الأخلاقية، وبين الانفتاح على المعرفة العالمية والقدرة على إنتاج معرفة محلية، وبين استخدام التكنولوجيا وحماية الإنسان من التحول إلى مجرد موضوع لها.

الجامعة بوصفها مختبرًا للعمران الإنساني

من هذا المنطلق، لا نريد لجامعة المقاصد أن تكون مجرد جامعة أخرى تضاف إلى جامعات المنطقة، بل نريدها أن تكون مختبرًا للعمران الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي.

إن إنشاء كلية للحوسبة والذكاء الاصطناعي وإقرانها بكلية للدراسات الإسلامية ليس جمعًا شكليًا بين مجالين منفصلين، بل هو محاولة لإعادة وصل التقنية بالسؤال الأخلاقي والحضاري، وربط القدرة على بناء النماذج بالقدرة على مساءلتها.

نريد أن نكون في موقع مَن يبني النماذج ويسائلها، لا مَن يستخدمها فحسب. ونريد أن تكون لدينا معرفة محلية بلغتنا وفقهنا وتاريخنا، لا تمر بالضرورة عبر نموذج مغلق في كاليفورنيا.

لا يعني ذلك بناء معرفة منعزلة عن العالم، بل المشاركة في المعرفة العالمية من موقع الشريك القادر على الإضافة والنقد والاختيار، لا من موقع المستهلك التابع. فالجامعة، بوصفها عقل الأمة، لا تؤدي رسالتها إذا اكتفت بتخريج مستخدمين مهرة للأدوات، بل حين تسهم في تكوين الإنسان القادر على فهم الأدوات وتوجيهها ووضعها في خدمة المجتمع والعمران.

إن قضية الذكاء الاصطناعي ليست قضية جامعة وحدها، ولا قضية خبراء ومهندسين فحسب. إنها قضية استنهاض مجتمع وانبعاث أمة.

والسؤال الذي سيحدد مستقبلنا ليس مقدار ما نملكه من آلات، بل مقدار ما نحتفظ به من إنسانيتنا ونحن نستخدمها. فالسيادة الحقيقية ليست أن نملك الآلة، بل ألّا تملكنا الآلة ولا مَن يملكها.

مقالات الكاتب

البروفسور حسان محمود الغزيري

رئيس جامعة المقاصد في بيروت.