تجاوز تصاعد التهديدات الحوثية الموجّهة نحو المطارات والمجال الجوي السعودي أبعاد الصراع التقليدي على الجبهات الحدودية، ليمسّ بصورة مباشرة عصب أمن الطيران المدني والاستقرار الاقتصادي للمملكة، فضلًا عن تأثيره المباشر في انسيابية حركة الملاحة الجوية الإقليمية. ولم يكن التحذير الأخير الذي وجّهته واشنطن إلى رعاياها بشأن احتمال تحويل مسارات الرحلات أو إغلاق المجال الجوي سوى مؤشر على أبعاد هذه الكلفة الأمنية والاقتصادية المتصاعدة، التي بدأت تتخطى إطار المواجهة العسكرية المحدودة.
وتجد الرياض نفسها أمام استحقاقات استراتيجية تتجاذبها خيارات عدة، أبرزها:
- الخيار الأول: يستند إلى منهجية الاحتواء والتكيّف الدفاعي، من خلال تكثيف التعاون الاستخباري مع الدول الحليفة، وتطوير قدرات منظومات الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر للتعامل مع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وعلى الرغم من فاعلية هذا الخيار في حماية البنية التحتية، فإنه يظل حلًّا غير مكتمل، يعالج أعراض الأزمة لا جذورها، ويترك زمام المبادرة في يد الطرف المهاجم، الذي يمتلك قدرات استنزافية مستمرة في مجالات التصنيع والتجميع والتخزين.
- الخيار الثاني: يتمثل في الردع الهجومي المباشر، بحيث ترفع الرياض مستوى عملياتها، من خلال استهداف القدرات العسكرية الحوثية ومراكز القيادة والسيطرة، للحد من قدرة الجماعة على شن أي هجوم مباغت. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر بالغة، إذ قد يقود إلى منزلق تصعيدي غير محسوب، يدفع الحوثيين إلى توسيع دائرة أهدافهم لتشمل المنشآت النفطية والموانئ البحرية، ما يفتح الباب أمام جولات متتالية من المواجهة ينعدم فيها الأفق السياسي.
- الخيار الثالث: يُعد الركيزة الأكثر تعقيدًا، إذ يمزج بين الضغط العسكري المنضبط وحركية الدبلوماسية الوقائية. ولا يقتصر هذا المسار على تعطيل الهجمات المرتقبة، بل يسعى إلى صوغ ترتيبات أمنية مستدامة، تتضمن اضطلاع الأطراف الراعية إقليميًا ودوليًا، وفي مقدمتها سلطنة عُمان في إطار وساطتها، بدور الضامن لمنع تحويل الأراضي اليمنية إلى منصات دائمة لتهديد أمن المملكة، بالتوازي مع التزام واضح بوقف استهداف الأراضي والمنشآت المدنية السعودية.
وتتجه القراءة الأكثر واقعية، في المدى القريب، نحو تبنّي نموذج مركّب يجمع بين التحصين الدفاعي والضربات الانتقائية الدقيقة لتحقيق الردع عند الضرورة، مع إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة. فالرياض تدرك الكلفة الباهظة للانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة، كما يدرك الحوثيون أن المبالغة في استهداف المنشآت والأهداف المدنية السعودية ستستجلب ردودًا عسكرية أشد قسوة، وستزيد من حدة عزلتهم السياسية على الساحتين الإقليمية والدولية.
ويبقى جوهر هذه المعضلة متمثلًا في الاستحالة البنيوية لفصل الأمن الوطني السعودي عن الاستقرار البنيوي لليمن؛ فما دامت الأراضي اليمنية مسرحًا مفتوحًا للتجاذبات الإقليمية، ستظل المنشآت الحيوية والمطارات السعودية عرضة لخطر الاستهداف والاشتعال.
وعليه، فإن النجاح الاستراتيجي للرياض لن يُقاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تتمكن منظوماتها الدفاعية من إسقاطها، بل بقدرتها على بناء معادلة ردع متكاملة تجعل من استهداف العمق السعودي خيارًا باهظ التكلفة وعديم الجدوى، سياسيًا وعسكريًا.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
