لم يعد الحديث عن الحرب في لبنان يقتصر على الاشتباكات الحدودية أو تبادل الضربات العسكرية. فمع التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بإخلاء مناطق واسعة من الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع الشمالي إضافة إلى القرى الجنوبية، دخل لبنان مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم المواجهة العسكرية التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ «حرب الجغرافيا والديموغرافيا». المعطيات المتداولة تشير إلى أن نطاق التهجير المحتمل قد يطال ما لا يقل عن 1.2 مليون لبناني، أي ما يعادل نحو ربع سكان البلاد وفق تقديرات مستندة إلى بيانات Central Administration of Statistics. وهذا يعني ببساطة أن واحداً من كل أربعة لبنانيين قد يجد نفسه مهدداً بالنزوح إذا توسعت…
هذه المرة لن أكتب بصفتي صحافية. لن أرتدي عباءة التحليل، ولن أفتح دفاتر السياسة لأفتش فيها عن المذنب الأول، ومن أشعل الشرارة، ومن يتحمل المسؤولية. لن أدخل في سجالات من نوع: من بدأ؟ ومن ردّ؟ ومن أخطأ؟ هذه المرة سأخلع كل ذلك. وسأكتب بحبرٍ آخر… بحبر الإنسان الذي لم يجف منذ فجر الاثنين. منذ ذلك الصباح وأنا أرى مشاهد لا يمكن أن تُختصر بلغة السياسة. أمهات يحملن خوفهن كما يحملن أطفالهن. آباء يحاولون أن يبقوا أقوياء، فيما القلق يفيض من أعينهم. وأطفال يسألون السؤال الأبسط والأكثر وجعاً في آن: هل سننام الليلة بأمان؟ هل يمكن أن نلعب… من دون أن…
في الشرق الأوسط لا تُدار السياسة بالأخلاق، ولا تُحسم الصراعات بالنوايا الحسنة. هنا تُكتب النهايات في الظل قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى. من لا يفهم هذه القاعدة يبقى خارج اللعبة، ومن يرفض الاعتراف بها يدفع الثمن من موقعه ووجوده. لا عداوات أبدية ولا تحالفات مقدسة؛ هناك مصالح متبدلة، وتحالفات مؤقتة، وخيانات مؤجلة تنتظر لحظة الإعلان. السؤال المطروح اليوم ليس: هل ستنهزم إيران؟ بل السؤال الأخطر: ماذا لو أعادت تموضعها استراتيجيًا بعد الحرب الكبرى؟ وإذا انتهت المواجهة بصفقة تعيد ترتيب العلاقة بينها وبين إسرائيل ضمن تفاهمات دولية أوسع، فهل سنفاجأ؟ أم سنكتشف أننا كنا نقرأ الصراع بالعاطفة بينما كانت العواصم الكبرى…