كيف يمكن لشعبٍ أن يطالب بالعدالة والمساواة، وهو منقسم في الصميم؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن دولة القانون والمؤسسات، بينما نعود في كل ستحقاق إلى انتخاب الطبقة السياسية نفسها التي ساهمت في إيصال البلد إلى هذا الحضيض؟ المفارقة أن الناخب اللبناني لا يختار دائمًا على أساس البرنامج أو الكفاءة أو سجلّ المرشح، بل كثيرًا ما تحكمه الطائفة والمنطقة والعائلة والزعامة. يصبح السؤال: «من أي طائفة هو؟» أهم من السؤال: «ماذا قدّم؟ وماذا سيفعل من أجل الدولة؟». وهكذا تتحول الانتخابات من فرصة لمحاسبة المسؤول إلى مناسبة لإعادة إنتاجه. نشتكي من الفساد، ثم ننتخب من اتُّهم بالفساد. نشتكي من انهيار الدولة، ثم…
بعض اللحظات لا تغادر الذاكرة. تبقى معلّقة في مكان ما بين القلب والزمن، كلما استدعيناها عادت إلينا بتفاصيلها الأولى، كأنها حدثت بالأمس. وأكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة تلك التي تمسّ حريتنا، أو تعيد إلينا من غابوا خلف القضبان. كان ذلك عام 1990. بعد ست سنوات كاملة من الاعتقال، كان أبي، رحمه الله، على موعد مع الحرية. وكانت أمي على موعد معه عند بوابة المعتقل الإسرائيلي في مدينة الخليل. ارتدت أمي أجمل ما لديها من ثيابها الفلسطينية المطرزة، ورافقتنا إلى المعتقل. كانت تحمل في يدها كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا، ولم أكن أعرف ما الذي تخبئه فيه. جلست عند بوابة المعسكر، وعيناها معلقتان…
ثماني سنوات انقضت، ولا يزال 93 ناجحاً في مباراة مجلس الخدمة المدنية للتعيين في وظيفة أمين صندوق في ملاك وزارة الاتصالات ينتظرون أن يتحول نجاحهم المثبت إلى تعيين فعلي. فالملف اجتاز مراحل إدارية وتشريعية عدة، وحُفظت حقوق أصحابه بقرار حكومي وبنصوص صريحة أُدرجت في قوانين الموازنة، لكنه بقي عالقاً بلا خاتمة إدارية، وبلا جواب رسمي يحدد الجهة التي أوقفته أو يفسر أسباب إبقائه في دائرة الانتظار. بدأت القضية عندما أجرت الدولة، بواسطة مجلس الخدمة المدنية، مباراة رسمية خُصصت أساساً لملء 30 مركزاً شاغراً في وظيفة أمين صندوق في وزارة الاتصالات. حينها لم يدخل المرشحون إلى الوظيفة من بوابة الواسطة أو…