في مشهدٍ يتداخل فيه الرمز بالواقع، وتستعيد فيه الذاكرة التاريخية أكثر صورها إيلاماً، يعود المسيح مجدداً—لا بشخصه، بل بدلالته—إلى درب الجلجلة. ليس صليباً يُحمل هذه المرّة، بل تمثالٌ يُنتهك، ورمزٌ يُحطَّم، وصورةٌ تختصر قروناً من الألم الإنساني الذي لم ينفكّ يعيد إنتاج ذاته في صيغٍ متبدّلة. في جنوب لبنان، تلك الأرض التي اختزنت آثار الأنبياء وخطى العابرين بين الحروب والصلوات، يبدو المشهد كأنه منسلخ من زمنٍ آخر. جندي إسرائيلي، مُثقَلٌ بأدوات القوّة ومشحونٌ بعنف المعنى، يقف أمام تمثالٍ للمسيح، فلا يرى فيه سوى مادةٍ قابلةٍ للكسر، فيما يراه آخرون تجسيداً لقيمٍ متعالية: الإيمان، والرحمة، والتسامح، والتضحية، والغفران. إن لحظة ارتطام…
يتحوّل الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية من مجرّد أداة ضغط إلى فخٍّ استراتيجي مُحكم الإغلاق، حين يُسدّ باب التصدير على نحوٍ كامل، فلا يعود ممكناً تصريف النفط حتى بلا مقابل، لأن الغاية لم تعد إدارة سوق أو تعديل موازين عرض وطلب، بل فرض الاختناق الشامل الذي يدفع إيران إلى ما هو أبعد من مجرّد مواجهة عجز اقتصادي عابر، نحو حافة الانهيار الوظيفي لقطاعها الحيوي. ولا تنحصر خطورة المشهد الراهن في تقلّص الصادرات النفطية فحسب، بل تتجلى، على نحوٍ أشدّ فتكاً، في بلوغ لحظة "الامتلاء القسري" للخزانات؛ تلك اللحظة المفصلية التي ينقلب فيها النفط…
لطالما شكّل السلاح، عبر التاريخ، مصدر قوّة لحامليه، وأُشير إلى صاحبه بعبارات من قبيل «السلاح زينة الرجال». ومع ولادة طفلٍ ذكر، غالبًا ما تُسمَع العبارة الشعبية «زدنا بارودة». وقد ساد هذا المعتقد في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، نظرًا للحروب العديدة التي خاضها أبناء البلد، ونقصد هنا الفترة الممتدّة من أوائل القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا. ويشهد التاريخ على تسلسل معارك وحروب دامية بين أبناء البلد الواحد، على وجه الخصوص. وهنا نستذكر أبرز الأحداث الدامية، ولا نقصد إثارة الأحقاد أو إعادة تكوين ذاكرة دموية، بقدر ما هو سردٌ تاريخي مع التركيز على مبدأ سحب السلاح الذي كان يعود إلى الواجهة…