اندلع خلافٌ حادّ بين طاولة المفاوضات والكراسي المحيطة بها، لأسباب لا تزال حتى اللحظة طيّ الغموض، أو ربما طيّ الإهمال المتعمَّد، في مشهدٍ عبثي لم تعهده قاعات السياسة، ولا حتى كواليس المؤتمرات الصحفية التي يُباع فيها الكلام بالمتر الطولي، لا بالمتر المربّع. الطاولة، التي لطالما اعتبرت نفسها المرجعية العليا للحوار لمجرّد أنها تمتلك مساحةً مسطّحة وبريستيجاً متصنّعاً، بدت هذه المرّة متصلّبة أكثر من اللازم، وكأنها خضعت لعملية تجميل بدهان مساحيق السياسة لإخفاء تجاعيد الفشل. أما الكراسي، فقد شعرت فجأة بكرامتها المفقودة، إذ سئمت من كونها مجرّد أدوات ثانوية تُستهلك عند كل أزمة، تُحمَّل على الأكتاف في الخطابات الرنّانة، ثم تُترك…
في لحظات التحولات الكبرى، لا تأتي التسويات السياسية دائماً كأخبار مفرحة، بل كثيراً ما تصل مثقلة بتناقضاتها، حاملةً معها ما يمكن وصفه بـ«كأس السلام المر». هذا الوصف يكاد ينطبق بدقة على المشهد اللبناني المرتقب، حيث يلوح في الأفق واقع سياسي جديد قد يجد فيه اللبنانيون أنفسهم أمام اختبار صعب بين القبول والرفض، بين الأمل والخشية. ففي بلد كلبنان، حيث تتداخل السياسة مع الذاكرة الجماعية، وحيث لا تزال جراح الماضي حاضرة في وجدان فئات واسعة من المجتمع، لا يمكن لأي تسوية أن تمر من دون أن تثير انقساماً حاداً. هناك من سيرى في هذا التحول خطأً تاريخياً، وتفريطاً بقضايا يعتبرها جوهرية،…
إنّ ما نراه اليوم في المشهد السياسي الأميركي لا يمكن اختزاله في مجرد "تخبّط" أو "عشوائية" ناتجة عن أمزجة القادة الأميركيين، بل إنّ الغوص في أعماق الاستراتيجيات الكبرى يكشف عن بنيةٍ تحتيةٍ صلبة تُدار من خلالها الأزمات بوصفها أدواتٍ هندسية لإعادة صياغة نظام عالمي جديد. ما يظهر للرأي العام كفوضى عارمة في عهد الرئيس دونالد ترامب، أو حتى في استمرارية السياسات السابقة، ليس إلا قشرة خارجية لإدارة باردة ومحسوبة المصالح. إنّ هذه "الفوضى الخلّاقة" لم تعد نتيجة عرضية لقرارات سيئة، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط فعّالة لزعزعة التوازنات التقليدية وفتح المجال أمام واقع جيوسياسي جديد يخدم شبكة معقّدة من الفاعلين،…