في مايو من عام 1916، وفي غرف مغلقة بعيدة عن شمس الشرق الدافئة، انحنى رجلان على خريطة، وبجرة قلم باردة ومسطرة خشبية، شطرا الروح العربية، ووزعا الأوطان كحصص من تراب ودم. اليوم، ونحن نقف على أطلال الذكرى العاشرة بعد المائة لاتفاقية "سايكس-بيكو"، لا يزال هذا الاسم يتردد في فضائنا كتعويذة شؤم، نعلق عليها خيباتنا، ونرثي بها وحدتنا المفقودة. لكن التوقف عند حدود الرثاء يكشف عن حقيقة أكثر مرارة من الاتفاقية ذاتها؛ حقيقة تسكن في أعماقنا وتأبى أن تغادر. ازدواجية الخنجر والوريد ثمة فصام شجي وازدواجية موجعة في العقلية العربية المعاصرة. فنحن على المنابر وفي المناهج نلعن "مارك سايكس" و"فرانسوا جورج…
أقتبس في مقالتي هذه ما ذكره الخبير Louis Joseph Lebret عن كيفية نهوض لبنان من أزماته في العام 1961: «ما يفتقر إليه لبنان قبل المياه والكهرباء والاتصالات، هو النقص في جماعات العمل التي تُكرّس نفسها للمصلحة المشتركة، والتي تعمل بروحية التعاون على مختلف الأصعدة، بغية حلّ كل المشكلات على المستويين الاقتصادي والإنساني. في حال لم يجرِ تحوّل في ذهنية النخبة الشابة اللبنانية، وما لم تقم ثورة فكرية ومعنوية، فسيبقى التطوّر هشًّا، ولن يتمكّن لبنان من القيام بدوره في الداخل كعامل تماسك، ولا في الخارج كقطب حضارة عالمية». في الجمهورية اللبنانية، تستعر القراءات السياسية الخاطئة بمختلف ميادينها، وهي نتاج أزمة تحليل…
منذ أن تشكّل البحر المتوسط كفضاء جغرافي رابط بين القارات، تجاوز هذا الحوض البحري حدوده الطبيعية، ليبدو مجالًا ديناميكيًا للتفاعل البيئي والبشري. وفي قلب هذا الامتداد، يبرز مضيق جبل طارق باعتباره نقطة التقاء استراتيجية تعبرها التيارات البحرية والأنواع البيولوجية، كما تعبره أيضًا مسارات الإنسان عبر التاريخ. وقد جعل هذا الموقع المتميز البحر المتوسط، منذ آلاف السنين، حلقة وصل بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، حيث نشأت على ضفافه حضارات كبرى مثل الفينيقيين والإغريق والرومان، ثم الحضارة الإسلامية التي حوّلته إلى فضاء للتجارة والرحلات البحرية وتبادل المعارف والثقافات. وبينما كان المتوسط مجالًا للتعايش والتواصل الحضاري، ظلّ أيضًا ساحة للتنافس والصراع، مما أكسبه قيمة…