حين تنقلب الأداة على صاحبها يُستقدم الذكاء الصناعي لتوسيع قدرة الإنسان: يختصر الزمن، يعالج البيانات، ويسهّل الإنتاج. لكن الأداة لا تبقى حيث وُضعت. فمع كثافة الاستخدام، تنتقل من وسيلة عابرة إلى وسيط دائم، ثم إلى بنية لا يقوم العمل من دونها. وهنا تكمن المفارقة: ما أُنشئ ليكون مفتاحاً لاستقلالنا، قد يتحول بفعل الاعتماد إلى قيد من أغلال التبعية. ليس لأن الخوارزميات تملك إرادة، بل لأن الإنسان يبني حولها شبكة من الحاجات تجعل الاستغناء عنها مكلفاً، وتجعل من يملكها أو يملك بنيتها صاحب قدرة متزايدة على التأثير. وعندها يتغير السؤال. لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء أن يفعل؟ بل: من يستخدمه؟ ومن…
هناك أسئلة لا يجوز أن تمر في مصر مرور العابرين، ليس لأن كل سؤال مؤامرة، ولا لأن كل لقاء مع أجنبي خيانة، ولكن لأن الدولة التي تعيش وسط إقليم مشتعل لا تملك رفاهية السذاجة، ولا تستطيع أن تتعامل مع العلاقات والاتصالات الخارجية باعتبارها مجرد دعوات عشاء ومجاملات دبلوماسية. حين يقول أستاذ جامعي وإعلامي سابق إنه تلقى خلال فترة قصيرة، وعلى غير عادته، عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول غربية، ثم يقول إنه خرج من هذه اللقاءات بانطباع يصعب التخلص منه، وإن «هناك شيئًا مهمًا جدًا» قد يجعل نهاية أكتوبر أو شهر نوفمبر مختلفين عما قبلهما، فإن السؤال الطبيعي ليس: هل…
كشفت الأزمات المتلاحقة والتطورات الحادة في «مضيق هرمز» عن حقيقة استراتيجية تتجاوز حدود الممر البحري نفسه، وتعيد تشكيل مفهوم الأمن الخليجي برمّته. فالمعضلة لم تعد تكمن في أهمية المضيق، التي ستبقى أساسية لعقود، بل في أن اعتماد الاقتصادات الخليجية عليه، بوصفه ممراً شبه وحيد للصادرات والواردات، يمنح أي خصم يمتلك القدرة على تهديده ورقة ضغط استراتيجية تفوق، أحياناً، حجم قوته العسكرية الفعلية. لقد بُنيت الهندسة الأمنية للخليج، طوال عقود، على افتراضين أساسيين: حرية الملاحة في مضيق هرمز شرط لاستقرار الاقتصاد العالمي. الوجود العسكري الأميركي هو الضامن الرئيس لحماية هذا الممر وردع أي محاولة لإغلاقه أو تعطيله. غير أن التحولات الجيوسياسية…