تُتقن بعض السلطات فنّ تسويق الأوهام، فتغلّف الوعود بشعارات برّاقة، وتعرض المساعدات والهبات كأنها عطايا سخيّة بلا ثمن. غير أن التاريخ والواقع يثبتان، مراراً، أن السياسة لا تعرف المجّان، وأن وراء كل باب يُفتح بكرم ظاهري مصالح كامنة تنتظر لحظة استحقاق الفاتورة. فالسياسة الدولية لا تُدار بالقلوب الرحيمة ولا بالنيّات الحسنة، بل تحكمها الحسابات وموازين القوى. وما يُقدَّم اليوم تحت عناوين برّاقة، مثل «الشراكات الاستراتيجية»، قد يكون ثمناً مقدّماً لنفوذ طويل الأمد، ومدخلاً إلى سلب سيادة القرار تدريجياً. «لا جبنة بالمجّان إلا في المصيدة»؛ ليست هذه العبارة مجرد مثل شعبي ساخر، بل تختصر حقيقة سياسية ينبغي أن يدركها كل حاكم…
المشكلة المطروحة ليست سلوكيات فردية معزولة، بل منظومة اجتماعية متشابكة تتداخل فيها التنشئة، والخطاب الثقافي والديني الموظَّف، والإعلام، والاقتصاد، وضعف التشريعات، وثقافة الخوف. ومن ثمّ، فإن السؤال: «لماذا لا نتعامل مع الإنسان بوصفه إنساناً؟» ليس سؤالاً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً سؤال عن بنية اجتماعية تُنتج التمييز وتعيد إنتاجه. لماذا كثر التمييز في المجتمعات العربية؟ لا يوجد سبب واحد، بل عوامل متراكمة: التنشئة الأسرية والتعليمية: الأسرة هي البيئة الأولى التي تغرس التسامح أو التحيّز. وفي كثير من الدول العربية، أسهمت مناهج تعليمية وممارسات تربوية في تعزيز الانقسامات الطائفية أو العرقية أو القائمة على النوع الاجتماعي، وفي تطبيع خطاب الكراهية أو…
في خضمّ المتابعة اليومية لحرب إيران، من الطبيعي أن يشعر المرء بشيء من الإرباك إزاء التقلّبات الحادة في مسار الأحداث. هل نحن على أعتاب اتفاق أم في مستهلّ تصعيد؟ هل تقف إيران على حافة الانهيار، أم أنها توسّع نطاق الصراع؟ هل سيعود مضيق هرمز إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، أم سيصبح فرض رسوم على العبور وشنّ هجمات متقطعة على السفن واقعًا اعتياديًا جديدًا؟ هذه قضايا مهمة، لكن تحوّلات استراتيجية أكبر وأكثر جوهرية تجري أيضًا. فمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول والغزو الأميركي للعراق، لم يشهد الشرق الأوسط هذا القدر من السيولة الاستراتيجية. مرّ ما يقارب ثمانية أشهر على…