كنتُ ولا أزال أعتبر أن المسؤول الناجح هو الذي يستطيع إدارة الأمور بفعالية، تمهيداً لتحقيق النتائج المرجوة. إذ يستطيع القيام بعمله بعد تحديد تلك الأعمال بدقة، وما يودّ إنجازه، ويتخذ القرارات بسرعة من دون تسرّع، ويوزّع المهام على مساعديه بعيداً عن الأنانية، وهو ما نسمّيه بميزة التفويض Délégation. كما يتابع النقاط الاستراتيجية والتكتيكية على السواء. وهذا ما يُسمّى بإمكانية إنجاز عدة أعمال في الوقت نفسه (Multitasking). في بداية حياتي المهنية، كان هناك موظف آدمي جداً من آل خليل في محكمة جبيل. لم يكن يقبل بأن يطّلع محاميان على ملفين في الوقت عينه. كان يجعلنا ننتظر حتى ينتهي زميلنا من الاطلاع…
«ليس كل وصف يتكرر في السياسة يصبح حقيقة في التاريخ، فالتاريخ لا يُكتب بكثرة الترداد، بل بوزن الوقائع». في إحدى المقابلات التلفزيونية، كرر أحد السياسيين اللبنانيين، وهو يستعرض قراءته لبعض المحطات التاريخية، وصف فئات أخرى من اللبنانيين بـ«الانعزاليين»، ولم يكن لافتاً في حديثه إلا الإصرار على تقديم هذا الوصف وكأنه حقيقة تاريخية راسخة، لا مجرد توصيف سياسي قابل للنقاش. في هذا السياق، تتكرر في الخطاب السياسي اللبناني، على نحو لافت، كلمة «الانعزالية»، وكأنها توصيف تاريخي ثابت لفئات أو تيارات أو مكونات لبنانية. غير أن الإشكال في هذا الاستعمال لا يكمن في حرية التعبير أو في حق الاختلاف السياسي، بل في…
ليست كل الاتفاقات الكبرى تُقاس بحجم البنود التي تتضمنها، بل بحجم التحولات التي تفرضها على البيئة السياسية المحيطة بها. ومن هذا المنطلق، يبدو الاتفاق الأميركي-الإيراني الأخير حدثاً يتجاوز كثيراً حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ليتحول إلى محطة مفصلية قد تعيد رسم خرائط التوازنات الإقليمية وتفرض على مختلف الفاعلين مراجعة حساباتهم السياسية والأمنية. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر غير المسبوق، اختار الطرفان الانتقال من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة الصراع عبر التفاوض. وبينما احتفت بعض العواصم بهذا التحول باعتباره فرصة لتجنب حرب إقليمية واسعة، استقبلته أطراف أخرى بحذر شديد، معتبرة أن ما جرى لا يمثل حلاً للأزمة بقدر…