هذه المرة لن أكتب بصفتي صحافية. لن أرتدي عباءة التحليل، ولن أفتح دفاتر السياسة لأفتش فيها عن المذنب الأول، ومن أشعل الشرارة، ومن يتحمل المسؤولية. لن أدخل في سجالات من نوع: من بدأ؟ ومن ردّ؟ ومن أخطأ؟ هذه المرة سأخلع كل ذلك. وسأكتب بحبرٍ آخر… بحبر الإنسان الذي لم يجف منذ فجر الاثنين. منذ ذلك الصباح وأنا أرى مشاهد لا يمكن أن تُختصر بلغة السياسة. أمهات يحملن خوفهن كما يحملن أطفالهن. آباء يحاولون أن يبقوا أقوياء، فيما القلق يفيض من أعينهم. وأطفال يسألون السؤال الأبسط والأكثر وجعاً في آن: هل سننام الليلة بأمان؟ هل يمكن أن نلعب… من دون أن…
في الشرق الأوسط لا تُدار السياسة بالأخلاق، ولا تُحسم الصراعات بالنوايا الحسنة. هنا تُكتب النهايات في الظل قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى. من لا يفهم هذه القاعدة يبقى خارج اللعبة، ومن يرفض الاعتراف بها يدفع الثمن من موقعه ووجوده. لا عداوات أبدية ولا تحالفات مقدسة؛ هناك مصالح متبدلة، وتحالفات مؤقتة، وخيانات مؤجلة تنتظر لحظة الإعلان. السؤال المطروح اليوم ليس: هل ستنهزم إيران؟ بل السؤال الأخطر: ماذا لو أعادت تموضعها استراتيجيًا بعد الحرب الكبرى؟ وإذا انتهت المواجهة بصفقة تعيد ترتيب العلاقة بينها وبين إسرائيل ضمن تفاهمات دولية أوسع، فهل سنفاجأ؟ أم سنكتشف أننا كنا نقرأ الصراع بالعاطفة بينما كانت العواصم الكبرى…
بدأت التداعيات الاقتصادية للضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران تتبلور تدريجيًا. فقد أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية ومسؤولون كبار في الحرس الثوري في وقت متأخر من مساء الاثنين أن مضيق هرمز "أُغلق"، وهددوا باستهداف أي سفينة تحاول عبور هذا الممر البحري. غير أنه حتى قبل الإعلان الرسمي عن الإغلاق، كانت تقارير قد أشارت إلى أن المضيق قد أُغلق بالفعل أمام حركة الملاحة التجارية. لكن هذه التقارير لم تكن دقيقة بالمعنى الحرفي للكلمة. فما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع كان في جوهره إجراءً تنظيمياً وإجرائياً، وإن لم يكن أقل أهمية من حيث النتائج. فمع بدء الضربات العسكرية وإعادة شركات التأمين تقييم مستويات…