لا يخطئ الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقيت خطاباته ورسائله المزدوجة داخل واشنطن وخارجها؛ لذلك، لم يكن الكلام الأميركي عن إسناد ملف حزب الله إلى دمشق وليد الصدفة. فخلف الأبواب المغلقة، يبحث رجل البيت الأبيض، الذي يدير حربًا في إيران لا تتضح ملامح نهايتها حتى الآن، عن تغيير قواعد اللعبة القديمة ورسم تصوّر إقليمي جديد لاحتواء النفوذ الإيراني.
ومع اتساع رقعة الحرب واستمرار الضغط على الزناد في منطقة الشرق الأوسط التي لا تعرف الاستقرار، لا يبدو المشهد العام في دمشق منفصلًا عن خريطة المعارك والحروب المشتعلة في دول الجوار. وهذا ما يفسّر مطالبة ترامب مرارًا بدور عسكري سوري ضد الحزب، بهدف تحجيم دوره بوصفه «أداة تحمي العمق الإيراني».
انتهى زمن الوصاية!
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تغيّرت دمشق. وحينها، تبنّت السلطة الجديدة في سوريا استراتيجية تقوم على مسار سياسي أكثر استقرارًا لضبط ملفاتها الداخلية الشائكة والمفتوحة، مثل حصر السلاح وضبط الورقة الطائفية التي تلوّح بها إسرائيل من خلال ملفَّي السويداء والساحل السوري، فضلًا عن مواجهة خطر أصحاب الرايات السوداء، أي تنظيم «داعش».
بعبارتَي «طيّ صفحة الماضي» و«إنهاء خصومة الأمس»، ردّت القيادة السورية على الرسالة الأميركية بشأن تدخّل دمشق في لبنان، في حين يهمس مقرّبون من أحمد الشرع بأن رجل سوريا الجديد رفع، منذ تولّيه الحكم، شعار «تصفير المشكلات» وتجنيب دمشق الصراعات، بما فيها الصراع مع إسرائيل.
ولبنان ليس مجرد جار غربي لسوريا، بل إن العلاقة بين البلدين تحمل إرثًا طويلًا يمتد لخمسين عامًا من التوترات والصراعات، وهي مثقلة بعقود من «الوصاية السورية» في زمن الأسدَين، إلى جانب ملفات مفتوحة لم تُحسم بعد بين البلدين، أبرزها ترسيم الحدود، واللاجئون السوريون، والتنسيق الأمني.
وعلى صعيد موازٍ، ألقت المواقف الرسمية التي أبدتها دمشق تجاه لبنان بظلالها على الساحة السياسية في بيروت، في وقت يعاني فيه اللبنانيون من تبعات إسناد طهران في الحرب الأخيرة، فضلًا عن أن طريق التفاوض مع إسرائيل ما زال طويلًا.
ومن هذا المنظور، تقول أوساط مقرّبة إن استبعاد دمشق أي تدخل عسكري مباشر في بيروت، في الوقت الحالي، يُسقط حسابات واشنطن وإسرائيل الرامية إلى تصدير الأزمة إلى سوريا، وقد يعزّز فرص الاستقرار في البلدين وتجاوز إرث الجوار الصعب. ويظل بناء علاقات جديدة مع بيروت الاختبار الأكثر حساسية في مسار إعادة رسم مستقبل مشترك ومتكافئ، بعيدًا عن «عباءة الوصاية».
الشرع والحزب… تسوية مؤجلة
بموازاة ذلك، يُنظر إلى إشارات القيادة السورية الجديدة بشأن عقد لقاء محتمل مع حزب الله «إذا اقتضت المصلحة ذلك» بوصفها محاولة لمدّ قناة تواصل تمهّد لمرحلة جديدة مع الحزب. وجاء الرد من الضاحية، مع إعلان نعيم قاسم استعداد الحزب للقاء قادة سوريا الجديدة «عندما يرى الطرفان أن التوقيت مناسب».
وتشير المعلومات إلى أن الضغوط الداخلية المرتبطة بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته الأمنية، وسط رفض تام من جانبه لتقديم تنازلات للخصم الإسرائيلي، تدفع قياداته اليوم إلى التخلّي عن خطاب الخصومة مع دمشق، والانتقال إلى خطاب أكثر مرونة لتجاوز سجله السيئ في سوريا، بعد تورطه في حماية نظام بشار الأسد ومشاركته طوال سنوات الحرب.
وعلى الأرجح، يجد حزب الله نفسه اليوم عند مفترق طرق حرج على الصعيدين الداخلي والإقليمي؛ فتحركاته لا تسير بمعزل عن «عقيدة الفسيفساء» التي تعتمدها طهران، بوصف الحزب أداة تصعيد إيرانية في المنطقة. ولذلك، فإن أي تقارب مع دمشق يمرّ عبر ضوء أخضر إيراني، تبعًا لحسابات طهران السياسية والعسكرية، وبحسب متطلبات المرحلة المقبلة وترتيباتها.
وزيادة على ذلك، تتقاطع مصالح قوى إقليمية أخرى ونفوذها، بدءًا من تركيا والولايات المتحدة، وصولًا إلى إسرائيل والسعودية. ويتحرك هؤلاء اللاعبون على أساس ترتيبات مصالحهم في جبهتَي لبنان وسوريا، على نحو يجعل النجاة من خطر امتداد نيران الحرب أمرًا صعبًا، في مشهد إقليمي شديد التعقيد.
ويدرك قادة سوريا الجدد أن فتح مرحلة جديدة بين دمشق ولبنان سيكون طريقًا طويلًا، على خلفية «الإرث السيئ» الذي سيذكّرهما بماضٍ لم يُمحَ بعد من ذاكرة الشعبين اللبناني والسوري على حد سواء.
وقد لا تعكس تصريحات الطرفين تحولًا استراتيجيًا عميقًا بقدر ما تعكس بحث أصحابها عن إعادة تموضع ضمن التوازنات الجديدة، في ظل الضغوط الإقليمية المتزايدة. فانفتاح الحزب على نافذة دمشق يهدف إلى تخفيف الضغوط المتصاعدة التي يواجهها داخل بيئته وخارجها، في حين تمثّل الساحة اللبنانية اختبارًا لطبيعة الدور السوري. ولذلك، بات خيار التهدئة ضرورة ملحّة في المرحلة المقبلة لضبط وتيرة التصعيد هناك.
لبنان وسوريا… قدر الجغرافيا!
في هذه المرحلة، تغيّر الكثير في المنطقة، ولم يعد ممكنًا النظر إلى لبنان وسوريا بوصفهما ساحتين منفصلتين على خرائط النفوذ. فالجغرافيا المعقدة التي تجمع البلدين تفرض عليهما مصيرًا مشتركًا؛ إذ يُعدّان من أكثر الساحات حساسية في عمق الشرق الأوسط، حيث تُختبر الروابط الثنائية عبر ممرَّي دمشق وبيروت، في واحدة من أدق مراحلها في تاريخ المنطقة.
وليس خافيًا أن استقرار دمشق شرط رئيسي لاستقرار بيروت؛ ففي البلدين تتقاطع السياسة والاقتصاد والأمن على نحو يصعب فصله. وتقف العلاقات اللبنانية السورية أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف قواعد هذه العلاقة المعقدة، والانتقال من مرحلة علاقات مراكز النفوذ والوصاية إلى مرحلة المصالح المشتركة والمتكافئة، بحيث يتجاوز البلدان إرث الماضي ويمحوان وصمة «الغريبَين الحميمَين».
ولا شك في أن للإدارة السورية الجديدة أجنداتها الخاصة المتعلقة بملف لبنان بصيغته الحالية. ومن خلال رفضه الطرح الأميركي، يمنع الشرع، ولو بصورة مؤقتة، فتح جبهة استنزاف دامية مع حزب الله، قد تكلّفه «أثمانًا سياسية» في ظل عدم تحييد الأراضي السورية عن الصراع الإقليمي.

سناء محيمدي
صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.
